باور بريس

دكتور عبدالله العوضي يكتب : الإمارات.. ميناء سلام

باور بريس

 

الإمارات قبل أن تنطلق إلى العالمية ، صنعت سلامها الداخلي في دولة اتحادية عبرت خلالها كل التحديات من حولها. 
وكان رائد صناعة السلام الذاتي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وطيّب ثراه.
استطاع الشيخ زايد بحكمته البليغة وفطرته النقية، أن يجمع حوله كل القبائل، قبل أن يخطو خطوته الكبرى نحو الاتحاد السياسي. 

" ديبلوماسية.. الصحراء "

يصف أحد الغربيين هذه الخطوة التي قام بها الشيخ زايد ونجح فيها وفق كل المقاييس السياسية بـ«دبلوماسية الصحراء» التي أجاد إدارتها ومن ثم وضعها في قالب سياسي، أثمرت من بعد وحدة سياسية، توّجت في دولة اتحادية تؤتي ثمارها اليانعة لأكثر من نصف قرن.
هذه أصل شجرة " السلام "  التي توارثتها أجيال القادة الذين أوصلوا فروع شجرة السلام إلى بقية أنحاء العالم، الذي لا يبعد عنّا إلا بمقدار " قرية." آخرها، وليست الأخيرة بالطبع السلام في قلب العاصمة الحبيبة أبوظبي التي شملت حواراً من أجل السلام بين أذربيجان وأرمينيا بعد سنوات من الصراع، استطاع الرئيسان أن يجلسا على كرسي السلام الإماراتي بعد عقود من الصراع.
قبل هذه المحطة، قطار السلام الإماراتي جاب أصقاع الأرض، منذ حربي الخليج الأولى والثانية، بل في قلب أوروبا الشرقية أثناء حرب البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، وسلام الحياد الإماراتي تواجد بقوتيه الصلبة والناعمة في أرض المعركة تسطر البطولات الإنسانية التي تخلت عنها أوروبا الغربية في حينها! 
 الإنسانية .. السامية

في مناطق عديدة لم تتوانَ الإمارات عن مد يد السلام التنموي الذي يصنع الأمل ويحفّز الطاقات، فالسلام الإماراتي محاط بسياج من المشاريع التنموية الاقتصادية منها والإنسانية والاجتماعية، والهدف الأسمى من ذلك ترسيخ جذور الاستقرار بدل تأجيج الصراعات السياسية الهادمة لكل خطط التنمية المستدامة ، نريد هنا تعميق هذا النهج بالحقائق والوقائع، وفي الأزمة الروسية- الأوكرانية، خير دليل على نجاح نموذج السلام الذي لم يتم صناعته باستخدام القوة، بل بمفاعيل العقل الرشيد الذي يدير هذه الصناعة الإنسانية بجدارة واقتدار، مع تحمل استحقاقاتها السياسية ومسؤولياتها الدولية، ومن نتائجها الوساطة الناجحة في إطلاق سراح آلاف الأسرى بين طرفي الصراع منذ اندلاعه قبل أكثر من ثلاثة أعوام.العالم اليوم في وضعه الراهن لابد أن يصل إلى قناعة بأن ما تقوم به الإمارات في مختلف بقاع العالم من مد يد السلام الحيادي، نموذج حضاري لوقف الحروب العبثية، التي أرهقت وأهدرت مقدرات الشعوب والأمم في البقاع الساخنة أو الجارية تسخينها
صناعة السلام، شمعة تضيء آمال المتطلعين إلى الاستقرار العالمي من أجل البناء والتنمية المستدامة في مختلف أنحاء العالم والمناطق التي إنسانها أحوج إليها.
من يضيء شمعة السلام من حول العالم خير ممن يصر على إطفائها في زمن يبحث الأحرار عن ميناء سلام يرسي عنده مشاريعه المستقبلية بأمان واطمئنان.

الاستقرار .. صناعة

تسعى الإمارات، في لحظتها الراهنة، لاستثمار قواها الناعمة في بناء منظومة السلم والاستقرار في المنطقة، التي تعاني منذ عقود من الصراع العدمي.
الإمارات بذلك تستفيد من مجموعة أدوات معنوية متاحة لديها منذ زمن، وحان الوقت لتفعيلها، كجزء من رؤيتها للمستقبل. فالسلام الذي تمد له يدها جزء من تلك الرؤية الشاملة، مع وجود العوامل المساعدة على ذلك، ومن أبرزها التسامح، التعايش، الانفتاح، ونبذ الكراهية والعنصرية والتمييز بين البشر على أساس من الدين والعرق واللون.
فالإمارات بمبادراتها السلمية ورفضها للحروب والنزاعات، تعزز مكانتها القيادية في العالم العربي، ودورها في عالم السياسة، وسوف تسهم هذه الدبلوماسية المحنكة والواقعية في تغيير المنطقة نحو الأفضل بمقاييس المستقبل. 
فالقيم الإنسانية التي تتبناها الإمارات وفقاً لوثيقة «الأخوة الإنسانية»، أكبر دافع لمد روابط التعاون، وإرساء مبادئ العلاقات مع جميع الشعوب والمجتمعات، بغض النظر عن المواقف المؤدلجة للبعض.
ما تمارسه الإمارات هو جزء من رؤيتها الإستراتيجية، التي تبرز من خلالها النموذج الذي ارتأت أن تخطه لنفسها، للمضي قدماً لتحقيق سبل الأمن والسلام  الضروريين  للعالم أجمع، وهو هدف سام بحد ذاته، يرفع من شأن الدول التي تسعى له في بناء علاقات متسامحة بين كافة دول العالم، تماشياً مع القوانين والأعراف الدولية التي تساند كل حركة إيجابية نحو الاستقرار.

خلق .. توازنات

وما تقوم به الإمارات من تقارب خطوات وخطوط السلام والاستقرار جزء راسخ من مبدأ التعايش بين البشر، وهو مسار جديد يبني توجهاً سليماً في منطقة تآكلت كثيراً بسبب الحروب الأهلية، والصراعات البينية المزهقة للمكتسبات الوطنية للدول الغارقة في أتون تلك النزاعات، التي تقتل آمال الشعوب في مستقبل أكثر إشراقا وعطاءً. فرسالة الإمارات هي سلام لا تتخلله الحروب العبثية الملفوفة بالمطامع الشخصية والأهواء الأنانية.
الإمارات ماضية في خلق توازنات جديدة، وهي واعية تماماً لاستحقاقات المرحلة، ومدركة لقدر الجرأة المطلوبة للمضي في هذا النهج.
المقاربات التي تتخذها لا تغفل الواقع الدامي في قضايا الأمة العربية، التي بحاجة ماسة لكسر الجمود وإزالة أطنان من الكلس الذي تراكم حولها منذ عقود طويلة، آن الوقت لمن يبادر وليس للتقهقر مكان في هذا الطريق الاستراتيجي. فالمجتمع الدولي ينظر إلى هذه الخطوات الجريئة بعين الإكبار، لأنها ستساهم في تسييل الكثير من أزمات المنطقة، التي تبحث لها عن طوق نجاة ناعم، بدل عقود من سلسلة الأطواق الغليظة التي لفت أعناقها بلا جدوى. 

" بعيدا.. عن الضجيج "

من المهم أن ندرك بأن صناع القرارات السيادية في الدولة يدركون تمام الإدراك بأن العالم منذ أن انتهى من حربين مدمرتين وكذلك حرب باردة أخرى، لا يريد أن يدخل حرباً عالمية ثالثة بسبب قضية الشرق الأوسط العالقة وسط الكثير من التجاذبات بين الأطراف المعنية.
وهذا الوضع عقّد العلاقات الدولية، وزاد من درجة التناقضات في اتخاذ القرارات المصيرية، ولا يمكن للحروب حل تلك المعضلات، فكان ولا بد من مد خط التفاهمات، عبر القوى الناعمة للدول التي تتعامل مع العالم من حولها بروح من الإنسانية السامية، وتأتي الإمارات في صدارة هذه الدول، وتسعى دائما أن تكون سباقة في هذا الميدان.
وخلاصة ما سبق، نجده في ما غرد به معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية السابق عندما ذكر بأن «التطورات المتسارعة في المنطقة مؤشر واضح نحو ضرورة مراجعة استراتيجيات لم تؤت ثمارها ونبذ سياسة المحاور، وعلى الرغم من أنه لا يمكن أن نعود إلى الوراء، إلا أن البدايات الجديدة تحمل في طياتها فرصاً حقيقية، بعيداً عن الضجيج، أمامنا ظروف قد تمهد لحلول سياسية تعزز الأمن والاستقرار والازدهار». 

أسس .. السلام

في مجال العلاقات الدولية هناك مجموعة خيارات أمام الدول، من أجل بناء نسيج سياسي وسياج آمن لحسن التعامل، وفقاً لسيادة كل دولة على حدة، بما يتناسب مع مصالحها الذاتية.
فهناك من يتكئ على القوة الصلبة لفرض الأمر الواقع، ولو باللجوء إلى الحروب المدمرة، ويسمى ذلك «حرب السلام». ومجموعة أخرى من الدول، خاصة التي خاضت حربين عالميتين، وتسعى بالسلام الدائم لعدم تكرارها مهما بلغت حجم الخلافات البينية من الحدة، فبالسياسة الحكيمة يتلاشى دخان الحروب قبل اشتعالها.
فالإمارات اختارت لها طريقاً نسميه «حب السلام»، وهو نهج ذو الجلال والإكرام، فلا يخيب من اختاره، ولا يُعاب من سنَّه سياسة مستدامة في علاقاته الخارجية مع الجميع، وبتعبير آخر يمكن أن يصبح السلام مصدر اعتياد وإدمان.
نستمد ذلك من التاريخ المعاصر، ومن واقع الحروب التي نشبت بين الدول لآماد بعيدة، ومن أبرز الأمثلة ما دار بين الدنمارك والسويد من حروب طاحنة، فقد بلغ عددها 29 مرة، ويزعم البعض أنهما حققتا رقماً عالمياً في هذه المسألة.
فالسلام الذي تريد الإمارات ترسيخ دعائمه، وتثبيت مبادئه يعتمد على ثلاث قواعد رئيسة هي:
أولاً:- ضرورة وجود ثقافة السلام لحل الصراعات.
ثانياً:- رسوخ الوشائج الأخلاقية المشتركة بين المجتمعات وقوة التزامها بقيم التعاون.
ثالثاً:- الاعتماد الاقتصادي المتبادل، بمعنى التعاون باتجاه المنفعة المتبادلة.

روسو .. و " العقد الاجتماعي "

فهذه العناصر والأسس الثلاثة حلت محل الأسباب الممهدة للحروب بين الدول، فهي شروط ممهدة للسلام بينها.
وعلى هذا الأساس، فقد ازدهرت اليابان وألمانيا سلمياً بعد الحرب العالمية الثانية.
ويرى خبراء العلاقات الدولية أن الحرب «تصبح غير مرجحة عندما تَعتبر الدول أن الازدهار هو هدفها الرئيس، وعندما تقتنع بأن التجارة أفضل السبل لتحقيق هذا الهدف» 
في التاريخ الغابر للحروب العربية بين القبائل وليست بين الدول، أشهرها حرب «داعس والغبراء»، والتي سببتها ناقة في أحد سباقات الهجن، حيث استمرت عاماً على وجه الإجمال.
يُقال بأن عدد الضحايا لم يتعد أصابع اليد الواحدة، لأن الحرب كانت عبارة عن مناوشات متقطعة استمرت تلك العقود، ولو كانت حروباً طاحنة لما كان لجنس العرب وجود اليوم. ونضيف هنا بأن حرب الأربعين عاماً تعتبر نزهة عابرة أمام حرب القبائل السويسرية، التي استمرت 300 عام بين الطليان والفرنسيين، وغيرهما من مكونات الشعب السويسري آنذاك.

السلام.. مصدر إلهام

ولم تتوقف تللك الحروب القبلية إلا بعد أن اقترح عليهم جان جاك روسو صيغة «العقد الاجتماعى» الفريد الذي حوّل سويسرا إلى فردوس أوروبا، بعد أن تم إرساء دعائم السلم الاجتماعي بين جميع فسيفساء المجتمع السويسري المعاصر، وقد انتهجت الحياد التام أثناء الحربين العالميتين، لأنها اعتبرت من ماضيها لبناء مستقبلها بالسلم الاجتماعي والسلام العالمي.
تدور مناقشة كبرى حول المصدر الرئيس للسلام، فالبعض يؤمن بالقوة الذاتية للأفكار، ويرجعون الفضل في السلام إلى تحولات فكرية، ويؤكد البعض الآخر على تحولات البنى المادية والاجتماعية.
وبتعبير آخر يؤدي تحول الأفكار دوراً في التحرك باتجاه السلام بين الدول، لا شك في ذلك، لكنه يفعل ذلك في ارتباط وثيق بالتحولات في البنى الاجتماعية والمادية.
فالأفكار والبنى كل منها يتغير، أن تحل الصداقة بين الدول محل العداوة، لكن الدول تتغير، وما من قانون منزرع في جوهر التاريخ ينص على أن الدول يتعين أن يحارب بعضها بعضاً على الدوام. فالإمارات اختارت أن يكون السلام مصدر إلهام لمستقبلها، وهي مدركة اتساقه مع سياساتها ونهجها.

الهاشمي.. عضو في " التنفيذي "

الإمارات ترحب بالإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام وتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية
رحّبت ريم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي بالإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، وبالتشكيل الرسمي للجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، بوصفها هيئة انتقالية مؤقتة أُنشئت استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803.
كما ثمّنت  إعلان ترامب عن مجلس السلام، باعتباره إطاراً داعماً لجهود ترسيخ الاستقرار ودفع المسار السياسي قدماً، مشيدة في هذا السياق بالجهود القيادية التي بذلها، وبالمساعي الدؤوبة التي قامت بها كل من دولة قطر الشقيقة، وجمهورية مصر العربية الشقيقة، والجمهورية التركية الصديقة، في دعم مسار السلام وتعزيز فرص الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأعربت عن اعتزازهابتعيينها عضواً في "مجلس غزة التنفيذي"، مؤكدة أن هذا التعيين يعكس الثقة الدولية بدور دولة الإمارات الرائد ونهجها الثابت في دعم السلام وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية لشعب غزة ولشعوب المنطقة كافة.
وأضافت : "تؤمن دولة الإمارات بأن تحقيق السلام الدائم يتطلب تضافر الجهود الدولية، وإدارة شؤون قطاع غزة بكفاءة، بما يضمن الحقوق المشروعة وتطلعات الشعب الفلسطيني الشقيق، ويُسهم في تعزيز الاستقرار، ودعم مسار السلام وصولًا إلى مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا للمنطقة".
وأكدت على أهمية البناء على ما تحقق من خطة السلام في غزة، والعمل بجدية على استئناف عملية سياسية شاملة تُفضي إلى حل الدولتين، وإلى تسوية عادلة ودائمة.( وام - 17 يناير 2026 )
شهادة.. فرنسية

مجلة " كونفلي " الفرنسية تنشر مجلة "كونفلي" مقالًا بعنوان "الإمارات العربية المتحدة: فاعل مستقر في عالم مضطرب". جاء فيه :
تُعد دولة الإمارات نموذجًا لافتًا بعيدًا عن الصور النمطية للشرق الأوسط، إذ تمكنت رغم صِغر مساحتها من ترسيخ مكانة موثوقة وفاعلة في النظام الاقتصادي العالمي خلال عقود قليلة .
يواكب هذا التحول تنامي حضور الكفاءات الإماراتية، رجالًا ونساءً، في المؤسسات الإقليمية والدولية، بدور فاعل يتجاوز التمثيل الرمزي إلى المشاركة في صنع القرار ( 18 /1 / 2026 )