باور بريس

عبد الفتاح موسي يكتب: في حقول البترول

باور بريس

 

كنت أظن أن المعركة هذا العام ستكون بسيطة…
معركة صغيرة بيني وبين جدول أعمالي، لأحافظ على طقسٍ أحببته منذ سنوات:
إجازة اليوم الأول من رمضان.

أغلقت الملفات، رتبت المواعيد، أنهيت ما استطعت إنهاءه… كنت أريد أن أستقبل الشهر كما أحب: بهدوء، بقلبٍ صافٍ، وبلا استعجال.

لكن في ليلة رمضان، جاء الاتصال، كلمات قليلة، وقرار لا يقبل التأجيل حيث ان هناك أعمال سقطت سهوًا… وغدًا أول رمضان.

أغلقت الهاتف، وشعرت بشيءٍ يشبه الخيبة.
ليست خيبة العمل… بل خيبة الخطة التي لم تكتمل.

في الصباح، استيقظت مبكرًا.
كان في داخلي حزن خفيف، لكنه لم يمنعني أن أنزل، وأن أؤدي ما عليّ كما ينبغي. أنهيت عملي، وعدت…
ومضى اليوم، ثم مضت أيام رمضان، بحلاوته المعتادة، ولمّة الأسرة، وصوت الأذان الذي يغسل تعب النهار كله.

حتى جاء يومٌ آخر…
برد قارس، أمطار غزيرة، ورياح لا ترحم.
كان يومًا يليق بالجلوس تحت بطانية دافئة، لا بالخروج إلى العمل ومع ذلك… خرجت.

أنجزت ما عليّ، وعدت مسرعًا إلى بيتي.
جلست بجوار مدفأتي الصغيرة، أمدّ يدي نحو دفئها، أراقب عقارب الساعة في انتظار مدفع الإفطار.

وفي تلك اللحظة تحديدًا حدث التحوّل.
توقفت عن التفكير في نفسي.

تساءلت إن كنتُ قد حزنت لأنني عملت يومًا واحدًا في أول رمضان…
فماذا عن أولئك الذين لا يعرفون أصلًا ما معنى “إجازة أول رمضان”؟

ماذا عن رجال الحقول؟
هناك… حيث لا فرق بين رمضان وغيره.
لا فرق بين عيدٍ ويوم عادي.
لا فرق بين بردٍ يلسع العظام أو شمسٍ تحرق الوجوه.

هناك… حيث الميدان لا ينتظر الطقس، ولا ينتظر المزاج، ولا ينتظر المناسبات.

هم لا يعملون “يومًا اضطراريًا” بل يعيشون هذا الاضطرار كل يوم.

بين الرمال، بين المعدات، بين مسؤولية لا تُؤجَّل.
يفطر بعضهم بعيدًا عن أسرته ويصلي بعضهم على عجل.
وتأتي الأعياد وهم في مواقعهم… ثابتين.

وقتها شعرت بشيءٍ مختلف. شعرت أن حزني الصغير كان ترفًا وأن دفء مدفأتي نعمة مضاعفة.
وأن كل لحظة أقضيها بين أولادي… هناك من دفع ثمنها تعبًا وغيابًا.
هؤلاء لا يتذمرون،
ولا يطلبون تصفيقًا،
ولا ينتظرون كلمة شكر.

لكنهم يستحقون أكثر من كلمة.

فإن جلست يومًا على مائدةٍ عامرة، وتأملت وجوه أبنائك حولك، وتنهدت رضا لأنك بين أهلك…

تذكّر أن هناك من منحك هذه الطمأنينة بصمته.

كل التحية لرجال الحقول…
أنتم لا تصنعون فقط إنتاجًا،
أنتم تصنعون استقرارًا.

وإن كان لكل بيتٍ عمودٌ يسنده…
فأنتم أعمدة بيوتٍ لا تعرف أسماءكم،
لكنها تقف ثابتة بفضلكم