دكتور عبد الله العوضي يكتب:"الغازي" ترامب في المائة الخامسة من الولاية؟!
يركب " ترامب " الفيل الشبح منطلقا في أقصى سرعة نحو " فنزويلا " ملتقطا الرئيس " مادورو في" جنح الظلام، و من بين كل أعين الحراس الشخصيين، رأسا إلى سجن في الولايات المتحدة الأميركية ؟!
لا نعرف في أي عصر نعيش ، و في أي زمن نحيا ، هذه أفاعيل أفاعي الديمقراطية الغربية التي يفترض أن تحترم المخالف قبل المتفق !
لم يبدأ يوم السبت في فنزويلا كيوم عابر ،،بل كحدث درامي على وقع القصف. فمع الساعات الأولى، استُهدفت مواقع داخل البلاد بضربات جوية مركزة، تزامنت مع انقطاع واسع للكهرباء عن كاراكاس، في مشهد هدف إلى شل البنية الاتصالية والسيادية للدولة.
وسرعان ما انتقل المشهد من السماء إلى الأرض: إنزال لقوات كوماندوز، تحركات خاطفة، ثم إعلان القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. ومع تأكيد العملية، أعلن دونالد ترامب، عبر تغريدة، فتح صفحة جديدة لفنزويلا تشمل عودة النفط إلى السوق الأمريكية.
هكذا لم تكن أحداث السبت ضربة معزولة، بل سلسلة مترابطة من الأفعال والرسائل، وضعت فنزويلا أمام واقع جديد لا تزال ملامحه قيد التشكل، فيما يواصل العالم متابعة فصوله.( صحيفة الخليج 5 يناير 2026 - “ حين يمدّ النسر جناحيه لحماية الكوكب” يسرا عادل)
العدالة.. الأميركية؟!
ترامب يتحدث عن ترتيبات ما بعد فنزويلا قال : إنه لن يسمح لأحد بمواصلة ما بدأوه في فنزويلا، مؤكّدًا إشراف واشنطن على تشكيل الحكومة، والمشاركة في إدارة ملف النفط الفنزويلي.
و قال مسؤول رفيع في الحزب الحاكم إن "مادورو" وزوجته أُلقي القبض عليهما داخل منزلهما في مجمع "فورتي تيونا" العسكري في كاراكاس. ( 3 / 1 / 2026 )
الادعاء العام الأميركي يتوعد بمحاسبة مادورو": قالت المدعية العامة الأميركية إن "مادورو" وزوجته سيُحالان إلى محكمة في نيويورك، متوعدةً بتطبيق "العدالة الأمريكية".
"فنزويلا تُفعّل خطط الدفاع الوطني": أعلن وزير الدفاع الفنزويلي تفعيل خطط الدفاع الوطني، دعمًا لإجراءات التعامل مع "الاضطرابات الداخلية" ومواجهة الهجمات الأميركية .( 3 / 1 / 2026 )
و استمرارا تلك العدالة الولايات المتحدة تسعى لمصادرة ناقلات نفط مرتبطة بتجارة النفط الفنزويلية، في إطار مساعٍ لتعزيز سيطرتها على شحنات النفط من وإلى فنزويلا . (رويترز - 14 / 1 / 2026 )
و لم تمهل العدالة الأميركية الرئيس الفنزويلي يوما واحدا من أجل التفاهم على نقاط الخلاف بين الطرفين عندما
أعرب عن استعداده لمناقشة مكافحة المخدرات والنفط واتفاقات اقتصادية مع واشنطن . ( سكاي نيوز عربية - 2 / 1 / 2026 )
و الأمر لن يقف فحسب عند فنزويلا وحدها، بل أي رائحة للنفط الفنزويلي، سوف يتمّ ملاحقتها في عرض البحر و طوله .
حرق .. العدالة !
و بالأخص إن كانت روسيا على خط الأزمة المضاعفة بسبب الحرب في أوكرانيا و الآن مستجدات الوضع في فنزويلا ، عن مصادر مطلعة: موسكو قدمت طلبًا رسميًا لواشنطن لوقف مطاردة ناقلة النفط بيلا 1 المتجهة لفنزويلا . ( نيويورك تايمز - 2 / 1 / 2026 )
نسمع كثيرا عن ضرورة عدم تسييس شبكة العلاقات بين الدول مهما كانت طبيعة الخلافات بينهم حتى لا تتأثر الشعوب من جراء ذلك ، و لكن الواقع صادم أكثر من اللازم ؟!
العدالة الأميركية، تستدعي الضرب و الحرب و الخطف و القتل و التفجير ، يعني كل ما يقوم به الإرهابيون حول العالم ، الفرق الوحيد في أميركا يمارس الإرهاب تحت غطاء دولة و في بقية العوالم تحت غطاء " اللا دولة " الجريمة واحدة رغم اختلاف المبررات؟!
أعلن الجيش الأميركي مهاجمته زورقين " يزعم " حملهما مخدرات، دون الإشارة لموقع الضربة، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص كانوا على متنهما.
من ناحية أخرى أفرجت الحكومة الفنزويلية عن 87 سجينًا احتُجزوا احتجاجًا على انتخابات 2024، ما اعتبره المراقبون خطوة تصالحية مع الضغوط الأميركية . ( 3 / 1 / 2026 )
أميركا حتى لو ظنت أو زعمت تذهب للحرب من دون أي براهين قاطعة أو ساطعة ، فمنطق القوة عندها أعلى كعبا من قوة الدليل أو البرهان " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " ، فهذا لا ينطبق على القوة العظمى التي استثنت نفسها من أسر كل القوانين الدولية و الشرعية؟!
الفتك ..
الإستمرار في المزيد من " الفتك " دققوا في المصطلحات التي تستخدم في التعبير عن التخلص من العدو الحقيقي أو المصطنع
صرحت القيادة الجنوبية الأميركية بأنها: نفذت غارة " فتاكة " على قاربين تابعين لمنظمات إرهابية لتهريب المخدرات، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص خلال الضربة . ( 1 / 1 / 2026 )
هل يعرف أحد أسماء هذه المنظمات لا يهم ، أسماء القتلى غير مهم ، الأكثر أهمية ممارسة سلوك " الفتك " ، يقال بأن سمكة القرش لا تفتك بفريستها إن تكن هناك ضرورة قصوى كالجوع أو الدفاع عن النفس ، لأن فراستها الطبيعية أقوى من مجرد " الفتك " بالفريسة ؟!
ترامب : القوات الأميركية لن تتمركز في فنزويلا إذا فعلت نائبة الرئيس "ما نريده" ( نيويورك بوست - 4 1 / 2026 )
خطف مادورو ، و جاء دور نائبة الرئيس الفنزويلي لكي تلبي مطالب ترامب ، و ليس الشعب تحت بند " ما نريده " لا ما يريده ؟!
ترامب : سيمثل مادورو أمام محكمة اتحادية في نيويورك بتهم منها تهريب المخدرات
طبعا في مثل هذه الظروف التي فرضتها أميركا على دولة مستقلة ذات سيادة ، لا من الداخل الفنزويلي تدارك الوضع قبل تفاقم الفوضى في مفاصلها.
حيث سارعت المحكمة العليا في فنزويلا بتكليف نائبة الرئيس لتولي صلاحيات الرئاسة مؤقتًا سدا للفراغ السياسي الذي سببته غياب الرئيس المختطف ؟! (سكاي نيوز عربية - 4 / 1 / 2026 )
و من مؤشرات تلك الحالة الطارئة استطماع جيران فنزويلا للدخول على خط المواجهة ، و ذلك عندما طلبت الأرجنتين من الولايات المتحدة تسليم مادورو لمحاكمته . ( إيه بي سي نيوز - 5 / 1 / 2026 )
التعبئة.. الفارغة!
يقول المثل: " إذا وقع الجمل كثرت سكاكينه " ، لا السياسة في أميركا اللاتينية نفعته ، و لا الجيرة ، فكأنها خافت ذات المصير من دولة لا تراعي أحدا فضلا أن ترعاه ؟!
و على ضوء ذلك ، الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي يدعو إلى إعلان التعبئة العامة؛ دفاعًا عن البلاد ضد أيّ هجوم أجنبي . ( روسيا اليوم - 4 / 1 / 2026 )
و الهجوم الأجنبي ، ليس حكرا على أميركا وحدها ، بل كل حلفائها من أميركا اللاتينية ، و خاصة عند سقوط أي نظام فيشارك الآخرين للإجهاز عليه ، ما يتدارك الداخل المتماسك الأضلاع أوضاع المجتمع لمنعه من الدخول في مرحلة الإنهيار أو " الفوضى الخلاقة " للنهايات غير الحميدة ؟!
بعد إزاحة مادورو عن سدة ، يعترف ترامب مباشرة بـ"ديلسي رودريغيز" نائبة رئيس فنزويلا كرئيسة للبلاد بعد اعتقال مادورو . ( روسيا اليوم - 4 / 1 / 2026 )
ترامب طوق بذراعيه على رقبة مادورو، و وضع يده على رزق الشعب الفنزويلي، و لا نعرف إن كان المثل العربي ينطبق هنا على هذا الوضع الذي يقول: " قطع الأعناق و لا قطع الأرزاق " ؟!
وزير الطاقة الأميركي يجتمع، مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط بشأن إحياء قطاع الطاقة في فنزويلا . ( بلومبيرغ - 5 / 1 / 2026 )
هذه الثروة النفطية التي تجر دول إلى حروب لا طائل وراءه غير أخذ إمتيازات لعقود طويلة الأمد تحصل على نصيب الأسد و الطرف الآخر على الفتات سواء كانت أميركا على الخط أو أصحاب الحظوة من ورائها .
محيط النفط.. أم أنهار المخدرات؟!
أضرب مثلا بسيطا عندما كان برميل النفط في السوق العالمي البيضاء، كانت مشتقات البرميل الواحد تعود إلى و ليس على الدولة المصدرة بخمسة آلاف دولار ؟!
فنزويلا تنام على محيط من النفط أكثر من كارتلات المخدرات ، و هي كريمة مع جيرانها الذين منحتهم النفط بالمجان ساعة الشدة و ربط الأحزمة الاقتصادية على بطون بعض الشعوب !
و إذا استخدم هذا النفط كسلاح سياسي في بعض الأوقات رفعت أميركا عصا الإذعان ، و هددت الدول المنتجة بتحويل نفطها إلى ماء أو أنهارا من الدماء؟!
أميركا بدأت في وضع شروط تعجيزية و صارمة لبيع نفط فنزويلا في الأيام المقبلة، و هي لا تملك أي حق مشروع في هذا النفط و لو تعسفت و خرقت بل أحرقت كل قوانين الأرض للإنتقام من مادورو؟!
مسؤولون أميركيون يطالبون رئيسة فنزويلا المؤقتة وقف بيع النفط للخصوم، وطرد عملاء دول وشبكات معادية لواشنطن ( بوليتيكو - 6 / 1 / 2026 )
السياسة ليس فيها خصم أو عدو هذا ما تم ترويجها لسنوات طويلة، و أن المعيار الأوحد هو " المصلحة " ليس إلا!
ما الذي تغير مع فنزويلا، حتى تعاد صياغة مفهوم " المصلحة " عبر المشيئة الأميركية؟!
صار العالم كله فوضى لا سراة لهم و يقودهم ترامب إلى مصير مجهول و هم يضحكون أو يصفقون و يسخرون من كل القوانين و الأعراف الدولية التي سادت منذ عقود و بدأت تبيد مع إبادة البشر؟!
إهدار.. الحصانة ؟!
يقول القانون الدولي إن لرؤساء الدول حصانة شخصية كاملة، لا تثقبها الطائرات ولا الكوماندوز، وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن الرؤساء يتمتعون بحماية مطلقة من الولاية القضائية الأجنبية، مهما ثقلت التهم، حتى في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. ويضيف ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية نبرة أخلاقية، مذكراً بالمساواة في السيادة وحرمة التدخل، وأن القبض على رئيس دولة فعل عدائي وانتهاك للنظام الدولي.
غير أن هذه النصوص، بكل وقارها، عاجزة عن مواكبة العصر. قوانين بائدة، تصلح للأرشيف أكثر مما تصلح لساحات العمليات. وهنا يظهر الرئيس المُلهِم ليقول قوله ويفعل ما لم يعد النص قادراً على منعه. فالقانون يحتاج إلى صدمة كهربائية لتجديد حياته، وهو دور سيرجع له حتماً في وقت ما، لأن لكل شيء وقته، إذ لا يزال أمام الرئيس ثلاث سنوات لإعادة كتابة الشرعية صفحة صفحة!
قرأت كثيراً من الدراسات المشينة بحق رجل يسعى، بجهد فردي يكاد يكون رسولياً، لتحقيق العدالة على هذه الأرض، فاختصروا المشهد بما سموه «عقيدة مورنو»، وكأن السياسة تُدار بغريزة لا بمبادئ، وأن ما يحدث مجرد هوس أمريكي بالهيمنة على أمريكا اللاتينية . ( صحيفة الخليج 5 يناير 2026 - “ حين يمدّ النسر جناحيه لحماية الكوكب” يسرا عادل )
الثأر .. السياسي!
لم يعد في أميركا سياسة خارجية واضحة تجاه أي ملف شائك أو مربك ، خاصة إذا تدخلت الإستخبارات في رسم تلك السياسة التي يحيطها الغموض من كل الجوانب .
و من ذلك ، تم إطلاع ترامب على تقرير استخباراتي خلص إلى أن الموالين للنظام الفنزويلي هم الأنسب لقيادة البلاد، بدلًا من المعارضة . ( وول ستريت جورنال - 6 / 1 / 2026 )
إذا استحضرنا المنطق السياسي قليلا ، لماذا يستخدم ترامب " الثأر السياسي " لتصفية حسابات شخصية ، إذا كان الموالين للنظام الحالي هم الأنسب فما الداعي لتغيير رأس النظام بهذه الطريقة " العنجهية " ؟!
لا زال النفط في صدارة المشهد في فنزويلا، قال ترامب : إن شركات النفط الاميركية المستثمرة بفنزويلا ستُعوض بأموال عامة، متوقعًا جاهزية العمليات الموسعة خلال 18 شهرًا. ( إن بي سي - 7 / 1 / 2026 )
هذا يعني على الشعب الفنزويلي انتظار حصاد نفطه قرابة السنتين حتى انتهاء عمليات الإنتاج الموسعة ؟!
يقول ترامب عبر منصة "تروث سوشيال": فنزويلا ستُسلّم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات للولايات المتحدة. سيُباع هذا النفط بسعر السوق، وسأشرف على التحكم في العائدات لضمان استفادة شعبي فنزويلا والولايات المتحدة ( 7 / 1 / 2026 )
الرقص .. المستفز ؟!
سياسة وضع اليد و فرض الأمر الواقع على ثروة النفط في فنزويلا ، تدل على سلوك ضارب في تاريخ الولايات المتحدة في تعاملها مع مختلف دول العالم و فنزويلا ليست استثناء ؟!
لاحظ أسلوب السخرية التي يتعامل بها ترامب مع مادورو عندما أشار إلى أن مادورو قتل الملايين و يحاول تقليد أسلوبي في الرقص .
ترامب يصف أسلوبه في الرقص بأنه أكثر هدوء مِن مادورو. رقصات مادورو المتكررة اعتبرت رسالة استفزاز لأميركا جعلتها تتحرك .
ترامب يتهم مادورو بأن لديه غرفة تعذيب في كاراكاس .
( صحيفة الخليج- الأربعاء 6 يناير 2026 )
أميركا لم تقف عند فنزويلا ، بل تمادت أكثر ، عندما طلبت
إدارة ترامب الضغط على السلطات المؤقتة في فنزويلا لطرد عملاء الصين وروسيا وإيران وكوبا ( أكسيوس - 7 / 1 / 2026 )
ما معنى " العمالة " هنا في الحالة الفنزويلية ؟!
متى وصفت العلاقات بين الدول ب" العمالة " ؟!
حتى إذا كانت أميركا لها مواقف من تلك الدول ، فهذا لا يعني قطع العلاقات لأن أميركا تريد ذلك ؟!
أميركا ماضية في غي تهديداتها ، إدارة ترامب تضع وزير الداخلية الفنزويلي على رأس قائمة أهدافها ما لم يساعد الرئيسة المؤقتة في تلبية مطالب الولايات المتحدة والحفاظ على النظام بعد الإطاحة بـ"مادورو" ( رويترز- 7 / 1 / 2026 )
فهي لا تطالب فحسب، بل تذهب أبعد من ذلك، عندما
تصادر ناقلتي نفط خاضعتين للعقوبات مرتبطتين بفنزويلا في شمال المحيط الأطلسي ومنطقة البحر الكاريبي ( أسوشيتد برس - 8 / 1 / 2026 ) 51
الصين .. لم تسكت!
و من كان في الطريق إلى فنزويلا، لم يتمكن من الوصول إلى مبتغاه ، ناقلتا نفط صينيتان عادتا أدراجهما بعدما كانتا تتجهان إلى فنزويلا لتحميل النفط ( رويترز - 12 / 1 / 2026 )
ترى هل سكتت الصين عن تصرفات أميركا التي لم تتراجع حتى الآن عن لعب دور " الكاوبوي " ؟!
الصين اتخذت قرارات ضد أميركا أدق من " خيط الحرير " ، بعد أن شقت " طريق الحرير " ، عندما وصل أول قطاره الى بريطانيا .
الصين بالنسبة لأميركا هي اللقمة غير السائغة التي علقت في حلقها، لا تخرج و لا تدخل ، لكي ترتاح ؟!
الفعل الهادئ زلزال هادر:
الصين عندما تغضب تشلّ الخصوم ، ماذا فعلت الصين من أجل ڤنزويلا؟
من دون استعراضات خطابية فارغة على طريقة ترامب أو ماكرون، شرعت الصين في اتخاذ سلسلة من الإجراءات العملية، انطلاقًا من إدراكها أن الولايات المتحدة جعلت من السيطرة على النفط الڤنزويلي وسيلةً لكبح الحضور الصيني في أميركا الجنوبية وعرقلة مسار تطوره المتسارع الذي لا يمكن وقفه.
لقد اتخذت الصين خطوات استهدفت مباشرةً خط الطفو للإمبراطورية الأميركية، لأن العدوان على ڤنزويلا يُعدّ إعلان حرب على مشروع العالم المتعدد الأقطاب وعلى مجموعة «بريكس».
بعد ساعات قليلة من انتشار نبأ اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، دعا الرئيس شي جين بينغ إلى اجتماع طارئ للّجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي، استمرّ بالضبط 120 دقيقة. لم تصدر بيانات رسمية، ولم تُطلق تهديدات دبلوماسية؛ بل ساد الصمت الذي يسبق العاصفة، إذ فعّل ذلك الاجتماع ما يسميه الاستراتيجيون الصينيون «الاستجابة الشاملة غير المتماثلة»، ردًا على عدوان يستهدف شركاء الصين في نصف الكرة الغربي.
" الفناء .. الخلفي "
تُعدّ فنزويلا رأس الجسر الصيني نحو أميركا اللاتينية داخل «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة.
بدأت المرحلة الأولى من الردّ الصيني عند الساعة 9:15 صباحًا من يوم 4 كانون الثاني/يناير، حين أعلن بنك الشعب الصيني بهدوء التعليق المؤقت لجميع المعاملات بالدولار الأميركي مع الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع الأميركي. فقد استيقظت شركات مثل بوينغ، ولوكهيد مارتن، ورايثيون، وجنرال دايناميكس على خبر تجميد جميع تعاملاتها مع الصين من دون أي إنذار مسبق.
عند الساعة 11:43 من اليوم نفسه، أعلنت «شركة الشبكة الكهربائية الحكومية في الصين»، التي تدير أكبر شبكة كهرباء في العالم، عن مراجعة تقنية شاملة لجميع عقودها مع مورّدي المعدات الكهربائية الأميركيين، في خطوة تعني عمليًا شروع الصين في فكّ الارتباط بالتكنولوجيا الأميركية.
عند الساعة 2:17 بعد الظهر، أعلنت «الشركة الوطنية الصينية للبترول»، أكبر شركة نفط حكومية في العالم، إعادة تنظيم استراتيجية لمسارات إمداداتها العالمية. وقد مثّل ذلك إعادة تفعيل «سلاح الطاقة»، عبر إلغاء عقود توريد النفط إلى المصافي الأميركية بقيمة 47 مليار دولار سنويًا.
النفط الذي كان يتجه إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة أُعيد توجيهه إلى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وإلى شركاء آخرين في الجنوب العالمي. وأسفر ذلك عن قفزة في أسعار النفط بنسبة 23% خلال جلسة تداول واحدة.
سياسة .. الخنق ؟!
لكن الأهم من ذلك هو الرسالة الاستراتيجية الواضحة: الصين قادرة على خنق الولايات المتحدة طاقيًا من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وفي خطوة أخرى، نفّذت «شركة الشحن البحري الصينية» (China Ocean Shipping Company)، التي تسيطر على نحو 40% من القدرة العالمية للنقل البحري، ما أطلقت عليه «تحسين المسارات التشغيلية».
ونتيجة لذلك، بدأت السفن الصينية بتجنّب الموانئ الأميركية مثل لونغ بيتش، ولوس أنجلوس، ونيويورك، وميامي. هذه الموانئ، التي تعتمد بشكل أساسي على اللوجستيات البحرية الصينية للحفاظ على سلاسل إمدادها، وجدت نفسها فجأة من دون 35% من حركة الحاويات المعتادة. وقد شكّل ذلك كارثة حقيقية لشركات كبرى مثل وولمارت وأمازون وتارغِت، التي تعتمد على السفن الصينية لاستيراد البضائع المصنّعة في الصين إلى الموانئ الأميركية، إذ شهدت سلاسل إمدادها انهيارًا جزئيًا خلال ساعات.
كان أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الإجراءات هو توقيتها المتزامن، الذي أحدث تأثيرًا متسلسلًا ضاعف الأثر الاقتصادي على نحوٍ هائل.
لم يكن الأمر تصعيدًا تدريجيًا، بل صدمةً نظامية صُمّمت لتعطيل القدرة الأميركية على الرّد.
لم يكن قد انتهى بعدُ استيعاب الحكومة الأميركية لهذه الضربة، حتى فعّلت الصين حزمة جديدة من الإجراءات: تعبئة الجنوب العالمي. ففي الساعة 4:22 من يوم 4 كانون الثاني/يناير نفسه، عرض وزير الخارجية الصيني وانغ يي على البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وإيران وتركيا وإندونيسيا، إضافة إلى 23 دولة أخرى، شروطًا تجارية تفضيلية فورية لأي دولة تلتزم علنًا بعدم الاعتراف بأي حكومة فنزويلية تصل إلى السلطة بدعم أو تدخل أميركي.
تعدد الأقطاب .. في يوم !
خلال أقل من 24 ساعة، وافقت 19 دولة على العرض، وكانت البرازيل أولها، تلتها الهند وجنوب أفريقيا والمكسيك. وهكذا تجسّد عمليًا مفهوم «العالم المتعدد الأقطاب فعليًا».
لقد نجحت الصين في تشكيل ائتلاف مناهض للولايات المتحدة بشكل فوري، مستخدمةً سلاح الحوافز الاقتصادية.
وجاءت «اللمسة الأخيرة» في 5 كانون الثاني/يناير، حين فعّلت بكين السلاح المالي. فقد أعلن نظام المدفوعات الصينية العابرة للحدود بين البنوك عن توسيع قدرته التشغيلية لاستيعاب أي معاملة دولية ترغب في تجنّب نظام «سويفت» الخاضع لسيطرة واشنطن. وهذا يعني أن الصين وضعت بين يدي العالم بديلًا كاملًا وفعّالًا عن النظام المالي الغربي. فأي دولة أو شركة أو بنك يرغب في التعامل التجاري من دون الاعتماد على البنية المالية الأميركية بات بإمكانه استخدام النظام الصيني، الذي يُعدّ أرخص وأسرع بنسبة 97%.
كانت الاستجابة فورية وكاسحة: ففي أول 48 ساعة من التشغيل، عُولجت معاملات بقيمة 89 مليار دولار، وفتحت البنوك المركزية في 34 دولة حسابات تشغيلية ضمن النظام الصيني، ما يعني تسارع عملية نزع الدولرة عن أحد أهم مصادر تمويل الولايات المتحدة.
ضربة في.. القلب !
على الجبهة التكنولوجية، أعلنت الصين، التي تسيطر على 60% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة، وهي عناصر حيوية لصناعة أشباه الموصلات والمكوّنات الإلكترونية، فرض قيود مؤقتة على تصدير هذه المعادن إلى أي دولة دعمت اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو. وقد أثار هذا القرار قلقًا بالغًا لدى عمالقة التكنولوجيا الأميركية مثل آبل، ومايكروسوفت، وغوغل، وإنتل، التي تعتمد على سلاسل التوريد الصينية في مكونات أساسية، إذ باتت أنظمتها الإنتاجية مهددة بالانهيار خلال أسابيع.
إن كل تحرك صيني يوجّه ضربة مباشرة إلى القلب الاقتصادي للإمبراطورية الأميركية.
«ماذا فعلت الصين من أجل ڤنزويلا؟» يتساءل الأصدقاء والخصوم على حدّ سواء. وما سبق هو الجواب الواضح: من دون إعلان حرب، الصين تتحرّك وتؤثر وتفرض وقائع جديدة.
( كورت غروتش
أكاديمي وباحث ألماني، حاصل على دكتوراه من جامعة نورنبرغ وماجستير إدارة أعمال من مدريد، وأستاذ ومحاضر في جامعات أوروبية ودولية. مختص في الثقافة والاتصال والصناعات الإبداعية، ومؤسس لعدد من المراكز والمؤسسات الثقافية، ونائب رئيس «كرسي الصين» وسفير جامعة مينزو الصينية. )
كسر أسعار .. النفط!
و فريق ترامب يضع خطة شاملة للسيطرة على النفط الفنزويلي لسنوات قادمة، بهدف خفض أسعار النفط إلى نحو 50 دولارًا للبرميل ( وول ستريت جورنال - 8 / 1 / 2026 )
" ترامب" يقول إن إشراف الولايات المتحدة على فنزويلا قد يستمر لسنوات، مؤكدًا عزم واشنطن إدارة البلاد واستغلال احتياطاتها النفطية لإعادة بنائها بشكل "مربح" ( نيويورك تايمز - 8 / 1 / 2026 )
لا نعرف من تاريخ أميركا أنها غزت دولة ما " العراق و الصومال و فيتنام ، و الفلبين " ثم أعادت بنائها لتكون " المدينة الفاضلة " منذ التأسيس حتى اللحظة الراهنة .
خاضت الولايات المتحدة منذ تأسيسها عام 1776 مئات التدخلات العسكرية والحروب، حيث تشير بعض التقديرات إلى مشاركتها في نحو 400 صراع وتدخل عسكري. تنوعت هذه التدخلات بين حروب كبرى، كالحربين العالميتين، والحروب الأهلية، والتدخلات في الشرق الأوسط وأفريقيا، وصولًا إلى النزاعات الحالية.
ترامب لا يملك سلاح " الصبر الإستراتيجي " فسرعان ما يلجأ إلى التهديد و الوعيد مع كائن من كان ، مع بروز تحديات تواجه الإستثمار في صناعة النفط الفنزويلي هدد الرئيس الأمريكي (11 يناير2026 ) بمنع شركة "إكسون موبيل" من الاستثمار في فنزويلا، بعد أن وصفتها الشركة بأنها «غير قابلة للاستثمار».
في ظل حاجة الشركات الكبرى لفترة زمنية أطول لتقييم الاستثمار في النفط الفنزويلي؛ يتوقَّع لجوء أميركا لتقديم ضمانات لتحفيز شركات النفط الصغيرة والشركات الكبرى، للاستثمار في فنزويلا . ( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية- 12 / 1 / 2026 )
المناطق.. الرمادية؟!
فنزويلا، بثقلها النفطي، تتحول في الحساب الأميركي إلى نقطة ضغط تُدار بحسّ استراتيجي يضبط مسارات الطاقة ويعيد تعريف مساحة الحركة أمام بكين ويضيّق على قنوات التمويل التي ازدهرت في المناطق الرمادية خلال سنوات العقوبات. ولهذا لا يقف الأمر عند حدّه السياسي، بل يكشف كيف أصبحت الموارد إحدى أدوات ترسيم النفوذ ورفع كُلفة المناورة.( محمد فيصل الدوسري / مقال بعنوان: اليوم التالي بعد فنزويلا- صحيفة الإتحاد/ وجهات نظر - 14 يناير 2026 )
بدأ ترامب يتخذ من النفط الفنزويلي سلاحا ذو حدين من بعد الإستيلاء عليه بلا استحياء، و هذا هو أول الغيث قطرة للهند من أجل تجنب النفط الإيراني .
اتفاق أميركي - هندي بشأن النفط الفنزويلي ، قال "ترامب" إن الهند ستشتري النفط الفنزويلي بدلًا من الإيراني، موضحًا أنّه قد توصّل إلى فكرة اتفاق معها بشأن الأمر، ورحب بإبرام بلاده اتفاق مماثل مع الصين. ( 2 فبراير 2026 ) 15
و ذهب بعضهم بعيدا كالسيناتور روبن غاليغو ، الذي وصف الهجوم الأميركي بأنه «غير قانوني»، وكتب أن ما يحدث هو ثاني حرب غير مبررة يشهدها بعد غزو العراق.
وهنا أختلف معه، لا دفاعاً عن الحرب، بل إنصافاً للتاريخ، بغداد وكاراكاس يتقاسمان قدراً سياسياً واحداً، فالنفط يتحول إلى جريمة، والسيادة تُدرج في خانة التهم، وتصبح الدولة المشاغبة خطراً أخلاقياً على النظام الدولي المستقر .
إمتلاك القرار.. غير إمتلاك النفط ؟!
مثل هذه التجارب يجب أن تُقمع في مهدها، لا كرهاً بالحرية، بل حرصاً عليها، وحتى لا تنتشر العدوى.
ومن يقول إن صدام حسين لم يُعاقَب لأنه امتلك النفط، بل لأنه حاول أن يمتلك قراره النفطي خارج نظام الوصاية، وأن يستخدمه كرافعة سيادية لا كصنبور خاضع، فليكن على يقين أني أختلف معه! ومَن يقول إن فنزويلا لم تُستهدف لأنها دولة فاشلة، بل لأنها أصرت على تأميم قرارها الطاقوي، وربطه بخطاب سيادي، فاسمحوا لي أن أرفضه أيضاً.
في الحالتين، تحوّل النفط من مورد اقتصادي إلى ذريعة أخلاقية للتدخل: مرة لحماية العالم من «أسلحة الدمار الشامل»، وأخرى لإنقاذ «الديمقراطية المنتهكة». القيادة المشينة إسقاطها واجب أخلاقي، فمن يقوم به إلا هو؟
وإنصافاً للحق منح العم سام الرئيسين فرصة العودة من الضلال عبر العقوبات: في العراق عاش المجتمع حصاراً مدمراً، وأبى صدام الانصياع، فجاء جورج بوش الابن بالعصا السحرية ليسقط الدولة المتمردة حماية للكوكب! وتكرر السيناريو في كاراكاس، وحاول رجل السلام إنذار مادورو، لكنه، كما بدا.. «إبليس أبى»، فما كان منه سوى أن يهب لإنقاذ الكوكب مرة أخرى، مبذراً الغالي والنفيس.... و«قوات الدلتا»!
قائمة حماية الكوكب تطول: جاكوبو آربينز في غواتيمالا (1954)، وسلفادور أليندي في تشيلي (1973)، ومانويل نورييغا في بنما (1989)، وصدام حسين في العراق (2003)، ومعمر القذافي في ليبيا (2011)، وصولاً إلى مادورو في فنزويلا (2026). كل هؤلاء فصول في دفتر الواجب الأخلاقي الأميركي .
ترامب.. و توزيع الإنذارات؟!
ها هو ترامب ، يقف مرة أخرى
أخرى كقائد أخلاقي فيساحة العالم، يوزع الإنذارات، يعيد ترتيب الدول، يحرك النفط، ويرسخ الشرعية المستوردة، ويعطي القانون الدولي درساً لطيفاً لكنه لا يُنسى: كل شيء قابل للتعديل، كل شيء مؤقت... وكل شيء تحت إشراف العم سام، حتى يحين الوقت الذي سيأتي فيه القانون ليعيد كتابة نفسه، إذا استطاع.
وفي النهاية، يظل الكوكب بأمان، بينما الرؤساء العاصون يتنقلون بين العقوبات والتاريخ والولايات المتحدة ودار الحق، والقانون الدولي يرقص على أطراف أصابعه، والعم سام يكتب واجباته الأخلاقية على صفحة الكون، ويبتسم لنفطه. ( مصدر سابق / يسرا عادل )
مجلس الشيوخ الأميركي يوافق على قرار يمنع ترامب من القيام بأي عمل عسكري بفنزويلا دون تفويض من الكونغرس . ( رويترز - 8 / 1 / 2026 )
في فترتي رئاسة ترامب للولايات المتحدة الأمريكية، كان ترامب يقفز على قرارات المؤسسات الدستورية، بالاستغراق في استخدام سلاح " الصلاحيات الرئاسية " عند كل ممنوع بحقه و فقا لسيمفونية الديمقراطية الأميركية التي خدعت العالم بها لعقود لا تطالها أي خارجية ، فما الذي يمنع ترامب من استخدام صلاحياته في مواجهة فنزويلا بالقوة العسكرية الغاشمة ؟!
ترامب : لم يكن القرار بشأن "مادورو" صعبًا لأنه قتل الكثير من الناس وأرسل الكثير من الأشخاص السيئين لبلادنا .
المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو عندما تصل إلى الولايات المتحدة ، أتطلع للقائها . ( فوكس نيوز - 9 / 1 / 2026 )
ارتداد .. زلزال فنزويلا؟!
ترامب يلعب أو يقامر مع النظام و مع المعارضة في آن واحد، اللعب على الحبلين وظيفته الأساسية، لقد مارس ذات السياسة في الكثير من البلدان و في أشد الملفات الشائكة مثل ( طالبان أفغانستان، الأكراد في العراق، و الجبهة الديمقراطية في سوريا " قسد " ، و الملف النووي الإيراني.. ألخ )
بل أكثر من ذلك، باتخاذ سياسة " الغموض الاستراتيجي " في شأن بعض الدول كالصين و تايوان و روسيا و أوكرانيا ؟!
لقد أخرج " ترامب " بعض شركائها الأوروبيين من أطوارها ، هذا وزير الخارجية الفرنسي يصرح يمكن لأول مرة بأن : لدى باريس الحق في أن تقول "لا" للولايات المتحدة عندما تتصرف بطريقة غير مقبولة .( إذاعة فرنسا الدولية- 9 / 1 / 2026 )
دعت الولايات المتحدة مواطنيها إلى مغادرة فنزويلا فورًا، وسط تقارير عن سعي جماعات مسلحة لتعقّب أميركيين، عقب القبض على الرئيس "مادورو" ( الغارديان - 11 / 1 / 2026 )
ترامب يعبث في فنزويلا، و لا يريد أن يرى أي تحرك من قبل الشعب تجاه من تسبّب في استهدافهم .
أصبحت أميركا اللاتينية في مرمى الزلزال الفنزويلي، ارتداداتها باتت تصيب الجيران بآثاره السلبية ، و من ذلك حتى اللحظة ، إسبانيا ونيكاراغوا تتبادلان طرد السفراء ، حيث أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية طرد سفير نيكاراغوا ودبلوماسي آخر، ردًا على طرد نيكاراغوا لسفيرها ونائبه.
و يرى محللون أن هذه الخطوة تعكس توترًا أوسع في أميركا اللاتينية، في ظل تغيّرات موازين التحالفات الإقليمية، خاصة مع تطورات ملف فنزويلا. وهناك احتمال أن تتخذ دول أوروبية أخرى خطوات مماثلة كضغط على نيكاراغوا . ( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية - 27 يناير 2026 )
طاقة فنزويلا محرمة .. على كوبا ؟!
جاء الدور على كوبا لمحاولة " غزوها " ، إدارة ترامب تبحث عن شخصيات داخل كوبا تساعد في اتفاق للإطاحة بالنظام قبل نهاية العام ( وول ستريت جورنال - 22 يناير 2026 )
و في الداخل ، لجنة الدفاع الوطني في كوبا تعقد اجتماعًا بهدف "إقرار الخطط والتدابير اللازمة للتحول إلى حالة حرب" ( سايبر كوبا - 19 يناير 2026 )
أميركا لعقود مضت و هي تحذر الدول النفطية لعدم استخدام النفط كسلاح ، بل كمحرك للإقتصاد العالمي، أما أميركا اللحظة ، فلا تبالي في استخدام هذا النفط كوسيلة لزعزعة الاستقرار في العالم من حولها ؟!
"ترامب" يهدد بقطع النفط والمال عن كوبا ويدعوها لإبرام اتفاق مع "واشنطن" قبل فوات الأوان . ( صحيفة ذا هيل- 11 يناير 2026 )
و إدارة ترامب تدرس فرض حصار بحري على كوبا لوقف صادراتها من النفط . ( بوليتيكو - 24 يناير 2026 )
حذّرت الحكومة الكوبية شركات الطيران الدولية من نقص الوقود اللازم لتزويد الطائرات، مشيرةً إلى نفاده في تسعة مطارات بمختلف أنحاء الجزيرة.
تشير توقعات إلى أن تداعيات العقوبات الأميركية على كوبا قد تكون غير مسبوقة، تتجاوز في حدتها الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الجزيرة في تسعينيات القرن الماضي.( مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية - 10 فبراير 2026 )
ترامب يعيش حالة من " الغرام و العشق " ، مع تظام التعريفات و الرسوم الجمركية، لم تشهدها من قبل مع الكل و لو بنسب متفاوتة و لكنها كارثية لبعض الدول؟!
و من قبيل ذلك محاولاته للتوصّل لاتفاق مع كوبا : ، حيث أعلن إجراء واشنطن حوارًا مع السلطات الكوبية مرجحًا الوصول لاتفاق تخفيف الضغوطات المتمثلة بفرض تعريفات أميركية على الدول التي تُرسل نفط خام إلى كوبا. ( 2 فبراير 2026 )
و بما أن قرارات ترامب تتصف بالتوتر ، فإن واشنطن تسمح بتدفق النفط الفنزويلي إلى كوبا ، حيث أعلنت الولايات المتحدة تخفيف القيود على صادرات النفط الفنزويلية إلى كوبا لأسباب إنسانية، بشرط أن تتم عبر شركات خاصة، ليست حكومية أو عسكرية كوبية.
و يتوقع الخبراء أنّ انهيار النظام الكوبي قد يُثير اضطرابات وأزمات إنسانية كتلك التي حرص «ترامب» على تفاديها في فنزويلا عبر إبقاء كبار الموالين له في مناصبهم.( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية - 26 فبراير 2026 )
جرينلاند : ترامب أولا .. لا أميركا ؟!
إذا كانت أميركا اللاتينية لم تسلم من " حيف " ترامب ، فما ذنب جرينلاند إذا ؟
ترامب يأمر قادة الجيش بإعداد خطة لـ"غزو" غرينلاند ( ديلي ميل - 11 يناير 2026 )
رئيس مجلس النواب الأميركي : لا أعتقد أنه من المناسب تنفيذ أي عمل عسكري للاستيلاء على غرينلاند . ( بوليتيكو - 7 يناير 2026 )
و لكن ترامب يلّوح باستخدام الجيش للسيطرة على غرينلاند ، عندما قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي يبحث خيارات للسيطرة على غرينلاند، بينها استخدام الجيش، باعتبار ذلك أولوية للأمن القومي.
و يُرجّح ألا يلجأ «ترامب» للخيار العسكري بشأن غرينلاند، بشكل مبدأي، نظرًا لشراكته مع حلف «الناتو»، الأمر الذي قد يقوض أساسه أي تصرف عدائي.( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية - 8 يناير 2026 )
نلفت النظر إلى نقطة مهمة في هذا الصراع السياسي على ثروات الدول الأخرى من حول أميركا الدولة العظمى و التي تخطت العظام و وصلت إلى العصب الأعمق في تجاوز كل الخطوط الحمراء و البرتقالية المتعارف عليها دوليا عندما تشتد الأزمات بين الفرقاء و أحيانا الرفقاء؟!
و من جهة أخرى مسؤولون بإدارة ترامب اجتمعوا مع مسؤولين دنماركيين؛ لمناقشة قضية غرينلاند ( سي بي إس نيوز - 12 يناير 2026 )
موقف الحكومات.. الأوروبية!
هنا نلاحظ موقف الحكومات الأوروبية من " جرينلاند " ، التي تعتبر تهديدات ترامب بالاستيلاء على غرينلاند خطيرة، وتبحث عن خطة لمواجهته مباشرة بسبب تصاعد عدائيته . ( بوليتيكو - 8 يناير 2026 )
و أما في وضع فنزويلا و دول أميركا اللاتينية فقد رمت بها وراءها ظِهريا و كأن هذه القارة لا وجود لها على الخارطة العالمية فضلا عن الجغرافية ؟!
و هاهما كندا والدنمارك توقعان اتفاقية تعاون دفاعي على هامش مؤتمر ميونخ للأمن؛ ما يمهّد الطريق لشراكة أعمق بعد تهديد إدارة ترامب بضم غرينلاند . ( هيئة الإذاعة الكندية- 14 فبراير 2026 )
وقّعت الدنمارك وغرينلاند وجزر فارو مع كندا اتفاق تعاون دفاعي جديد على هامش مؤتمر ميونخ السنوي، المُنعقد في الفترة من 13-15 فبراير.
و يندرج هذا التقارب الدنماركي- الكندي ضمن مسار أوسع يستهدف توسيع دوائر الإسناد السياسي والأمني حول غرينلاند وجزر فارو، عبر شراكة عملياتية، من دون تحويلها إلى التزام دفاعي مستقل خارج مظلة «الناتو».( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية - 14 فبراير 2026 )
أما موقف بريطانيا ، من نية ترامب في " غزو جرينلاند " ، فهي تدرس مع دول أوروبية أخرى نشر قوات عسكرية في غرينلاند؛ لتهدئة مخاوف ترامب، الذي هدد بضمها لأسباب أمنية . ( ذا تلغراف - 11 يناير 2026 )
لعقود مضت كنا نظن بأن سياسة " الضم " ماركة إسرائيلية ، و لكن مع تقادم الزمن، أدركنا أنها من لوازم سياسة عهد ترامب ، و أما الوضع السياسي النهائي سوف نتركه لكم ، فالواقع في الغالب الأعم صادم ؟!
و في الوقت نفسه تجري
مساعٍ أوروبية لتشكيل تحالف لحماية غرينلاند حيث قالت مصادر مطّلعة : إنّ ألمانيا ستقترح إنشاء مهمة مشتركة لحلف الأطلسي باسم «حارس القطب الشمالي»؛ لمراقبة التحركات الروسية والصينية وضمان أمن المنطقة.
تُعد فرص مواجهة الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة محدودة، في ظل غياب استراتيجية تمنع واشنطن من دفع شعب غرينلاند نحو الانفصال أو الموافقة على البيع . (مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية - 12 يناير 2026 / وكالة بلومبرغ )
هل أوروبا قادرة فعلا على حماية " جرينلاند " من شر وقوعها في قبضة " الفيل " الأميركي؟!
في حين هي عاجزة عن وقف الحرب الروسية- الأوكرانية التي على أعتاب السنة الخامسة منذ اندلاعها!
منذ الحرب العالمية الثانية اختارت أوروبا طريقاً طويلاً من الاعتماد الأمني على واشنطن. خمسون قاعدة أمريكية تقريباً انتشرت على ترابها، من رامشتاين في ألمانيا إلى سيغونيلا في صقلية، ومن لاكينهيث في بريطانيا إلى ثوول في غرينلاند. كانت هذه الدرع الأميركية كفيلة بحماية أوروبا من السوفييت، لكنها كانت أيضاً سكيناً صامتاً في عمودها الفقري الاستراتيجي.
أين أوروبا.. من البلقان؟!
تجلى هذا الإعتماد في البلقان حين تفككت يوغسلافيا في التسعينيات، كان المنطقي أن تقود أوروبا التدخل في جوارها المباشر، لكن في البوسنة لم تحسم الحرب إلا باتفاق دايتون الذي رعته واشنطن عام 1995، وفي كوسوفو عام 1999 كانت الطائرات الأميركية هي التي قصفت مواقع ميلوسيفيتش، فيما بدت الجيوش الأوروبية كأنها تتعلم المشي خلف قائد أطلسي.
هكذا ترسخ نمط خطر: أوروبا تدافع عن حدودها عبر الناتو، لا عبر ذاتها.
حتى حين حاولت القارة مواجهة عاداتها القديمة. في قمة هلسنكي 1999 وعد الأوروبيون بقوة مشتركة قوامها 60 ألف جندي، تشمل وحدات جوية وبحرية، لكنها لم تتحول إلى جيش متكامل، وانكمشت لاحقاً إلى مجموعات قتالية صغيرة متعددة الجنسيات (Battle Groups) في براغ عام 2002. من جيش قاري إلى فرق صغيرة متنقلة، هكذا انتهى الطموح الدفاعي الأوروبي من طموح هلسنكي إلى واقع براغ.
الرئيس ترامب جاء بلا أقنعة إلى بروكسل، فما زالوا تحت صدمة أوكرانيا، وها هو اليوم يفتح ملف غرينلاند. وهنا تكمن اللحظة الزلزالية: لو أقدمت أميركا على احتمالية احتلال الجزيرة بالقوة، ستكون هذه المرة الأولى التي تعتدي فيها دولة عضو في الناتو على دولة عضو أخرى. سيقف ميثاق الحلف على حافة الانهيار، لأن مؤسسيه لم يتخيلوا أن يأتي الخطر من الداخل لا من موسكو كما توقعت أوروبا دوماً!
الناتو تهديد.. من الداخل؟!
النتائج ستكون زلزالية وبالتأكيد غير مسبوقة، قد تلجأ بروكسل إلى محكمة العدل الدولية لتجريم السلوك الأميركي . وقد تجد باريس وبرلين نفسهما مضطرتين إلى إعادة بناء توازن قاري بدون واشنطن.
في الناتو، تعد المادة الرابعة جرس إنذار دبلوماسياً، تمنح أي عضو الحق في طلب اجتماع عاجل لمجلس الحلف إذا شعر بأن أمنه أو سيادته مهدد، لتطرح المخاطر على الطاولة قبل اتخاذ أي قرار عملي. أما المادة الخامسة فهي الخط الأحمر العسكري، حيث تُلزم كل أعضاء التحالف باعتبار أن أي هجوم على أحدهم يعد هجوماً على الجميع، وتفتح الباب للرد الجماعي العسكري. في سيناريو غرينلاند، ستتجه الدنمارك فوراً لتفعيل المادة الرابعة، مستدعية الحلف للتشاور، بينما يظل اختبار المادة الخامسة معقداً، إذ سيواجه الناتو لأول مرة احتمال تهديد داخلي من أعظم أعضائه، ما يجعل القرار بين الدبلوماسية والأخلاق السياسية والمصالح الاستراتيجية صعباً ومعقداً كما لم يحدث من قبل.
من زاوية أوسع، غرينلاند ليست أزمة منفصلة، بل الفصل الأول في حرب باردة جغرافية جديدة. أوكرانيا، غزة، القطب الشمالي، وفنزويلا ليست ساحات متفرقة، إنها مشاهد في مسرح واحد يعيد تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ. وبين المراقبة والترقب تقف أوروبا بين الماضي والمستقبل، معلقة بين خوفها من موسكو وخيبتها من واشنطن.
عالم القوانين.. أم الهيمنة؟!
يبقى السؤال الأعمق : هل نحن ذاهبون إلى عالم تُحكمه القوانين، أم إلى عالم تُرسم خرائطه بالهيمنة؟ إن كانت فنزويلا إعلاناً عن موت الترتيبات الدولية عبر المصادرة والضم، فإن غرينلاند قد تكون تذكرة الإقلاع من عالم قديم إلى آخر مجهول.. عالم بلا أحلاف راسخة، وبلا قواعد ثابتة، وبلا حصانات للحلفاء.
غرينلاند ليست مجرد جزيرة، إنها امتحان حضاري للنظام الدولي بأسره، ومرآة تُظهر لنا وجه عصر يتداعى. وحين تنكسر هذه المرآة لن تتناثر شظاياها في القطب الشمالي وحده، ستصل ارتداداتها إلى كل مكان ظن يوماً أنه تحت الحماية وبعيد عن مركز الزلزال.( يسرا عادل : عن مقال / غرينلاند.. الزلزال القادم للنظام الدولي- صحيفة الخليج 19:
يناير 2026 )
أميركا عندما تنوي تعقيد السياسة حتى تعصى على الحل إلا عبرها ، تقفز نحو خصومها التقليديين، لفرض أمر واقع لم يكن مطروحا منذ سنوات، و لكن ترامب يجر هذا العامل الذي كان مختبئا تحت جليد الحرب الباردة، اليوم جاء وقت دفعه إلى السطح !
ترامب: لم تتمكن الدنمارك طيلة 20 عامًا من إبعاد التهديد الروسي عن غرينلاند رغم تحذيرات حلف "الناتو" وحان الوقت لفعل ذلك . (منصة تروث سوشيال - 19 يناير 2026 )
أوروبا تجاوزت خطوطًا لا يمكن التراجع عنها حين قالت رئيسة المفوضية الأوروبية : إن هناك خطوطًا لا يمكن التراجع عنها قد تم تجاوزها، في ظل مع مساعي ترامب لضم غرينلاند.
حرب باردة.. مع الحليف و الخصيم ؟!
و أوروبا مطالبة بدور جيوسياسي أكبر ، حيث دعت رئيسة وزراء لاتفيا لحوار مباشر مع واشنطن، وتأسيس قواعد جديدة للعلاقة بعد توترات عهد ترامب. ( 17 فبراير 2026 )
مسؤول بريطاني : ترامب يُقر في اتصال مع ستارمر باحتمالية تلقيه معلومات خاطئة عن إعلان نشر قوات أوروبية في غرينلاند . ( سي إن إن - 20 يناير 2026 )
أوروبا في حيرة من أمرها مع تهديدات و توترات ترامب ، فهي لا تريد إغضابه و في نفس الوقت ترغب في الدفاع عن " جرينلاند " و الكيف مجهول ؟!
ملك الدنمارك يزور غرينلاند لتعزيز سيادة الإقليم ضد الطموحات الأميركية ( بارونز - 18 يناير 2026 )
من الدول التي تقف بكل وضوح مع " جرينلاند " كندا التي حذرت من أن النظام العالمي الذي تقوده واشنطن يمرّ بمرحلة تصدّع وتتّسم ملامحه بتنافس القوى الكبرى، وتآكل قواعده.
و كذلك توقعت روسيا بتفكك الناتو حيث قال كبير الدبلوماسيين الروس إن محاولة "ترامب" السيطرة على غرينلاند تنذر بأزمة عميقة لحلف الناتو، وتثير تساؤلات حول بقاء الحلف ككتلة عسكرية سياسية واحدة . ( 21 يناير 2026 )
و من هذا المنطلق تتسارع الجهود لدى الحكومات الأوروبية و على رأسهم بريطانيا لتطوير أسلحة دفاع جوي منخفضة التكلفة لحماية أجواء حلف الناتو ( الحكومة البريطانية - 20 فبراير 2026 )
لأول مرة في التاريخ المعاصر، نشهد صراع بارد و آخر حام بين دول حليفة و أخرى خصيمة !
" الغموض.. الإستراتيجي " ؟!
رغم أن الحرب الباردة التي بدأت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أنها مستمرة مع روسيا و الصين .
بالرغم من أن الرئيس الأميركي أعلن عن سفره إلى الصين في الفترة من 31 مارس إلى 2 أبريل ( قناة سي إن إيه - 21 فبراير 2026 )
إلا الحرب الباردة قائمة على قدم وساق مع الصين لسببين، الإقتصاد الصاعد كالصاروخ و تايون التي تمارس أميركا معهما سياسة " الغموض الإستراتيجي " منذ عقود ؟!
و طرف من هذه الحرب الباردة نلمحها في سلوك
وكالات الاستخبارات الأميركية التي تعتقد بأنّ الصين تعمل على تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية، وأنّها أجرت على الأقل اختبارًا تفجيريًا سريًا واحدًا في السنوات الأخيرة. ( شبكة سي ( إن إن - 21 فبراير 2026
ترامب مستمر في عدم ثبات قراراته ، و إرباك الأجواء السياسية في لحظات ، تراجع «ترامب» عن تهديداته بفرض رسوم جمركية أو استخدام القوة للسيطرة على «غرينلاند»، عقب التوصل إلى اتفاق إطاري يخص الجزيرة والمنطقة القطبية.
و أكد أمين عام «الناتو» أن مسألة تبعية «غرينلاند» للدنمارك لم تُطرح في المحادثات مع «ترامب»، مشيرًا إلى أن التركيز ينصب على أمن القطب الشمالي. ( 26 يناير 2026 )
ترامب.. أولا ؟!
لم يكن في السابق خلاف في واشنطن بشأن مصلحة أميركا العليا مقابل أي دولة أو شخص الرئيس، فالكل يقر بأن أميركا أولا مع كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فلا واحد منهما يزايد على ذلك مهما اشتد بينهما الصراع على السلطة؟!
أما أميركا الراهنة ، يبدو أنها وضعت نفسها في دائرة الشك من حيث تقديم نفسها على أساس أنها الأولوية القصوى مقارنة بأي شأن محلي أو دولي .
لقد قام أحد الصحفيين باستطلاع سريع مع أعضاء الكونغرس، حيث وجه إلى كل واحد سؤالا واحدا : من أولا ، أميركا أم إسرائيل؟! الكل تهرب من الإجابة ؟!
هذا أمر، و الأمر الآخر يقع في قلب هذا السؤال: أميركا أولا أم ترامب ؟!
هذا السؤال الجوهري بدأ يدب أثره في نفوس فطاحل رجال الإعلام و السياسة و المخضرمين الذين عاصروا عددا كبيرا من الرؤساء، لقد وعوا لمتطلبات هذه المرحلة و علا صوت القلم الخائف على مصير الدولة العميقة في أميركا من القرارات السياسية المتهورة لترامب الذي سماه البعض " جورباتشوف " أميركا؟!
و سوف أورد هنا مقتطفات من مقال الكاتب الشهير في صحيفة واشنطن بوست لعقود و الذي أدرك حقيقة خطورة ما تمر به أميركا في لحظتها الراهنة؟!
فهو يذكر بأن ترامب، في أعماق قلبه وروحه، ببساطة لا يشارك القيم التي تبناها كل رئيس أميركي منذ الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق بدور أميركا في العالم وما ينبغي أن يكون عليه .
أكثر رئيس غير أميركي.. ترامب!
كنت أعتقد دائمًا أن لدى ترامب منظومة قيم مشوهة تمامًا، لا تستند إلى أي من وثائقنا التأسيسية، بل تفضّل أي زعيم قوي، بغضّ النظر عما يفعله بهذه القوة؛ وأي زعيم ثري يمكنه أن يُثري ترامب، بغضّ النظر عن مصدر ثروته أو كيف حصل عليها؛ وأي زعيم يمدحه، مهما كان ذلك المديح زائفًا وواضح التلفيق.
ترامب هو أكثر رئيس غير أميركي في تاريخنا. كان ذلك واضحًا منذ اليوم الذي هاجم فيه السيناتور جون ماكين، بطل الحرب الأميركي الحقيقي والوطني، لأنه أُسقطت طائرته في القتال وأُسر. أي نوع من الأمريكيين يهاجم ماكين، الذي قضى أكثر من خمس سنوات أسيرًا في سجن فيتنامي شمالي بعدما رفض إطلاق سراح مبكر كان سيُستخدم دعاية للعدو؟ لا أعرف أي أميركي يفعل ذلك.
لقد كانت أسوأ اندفاعات ترامب غير الأميركية وكسله الفكري مُقيدة في ولايته الأولى من قبل مجموعة من المستشارين الجادين. هذه المرة، لا أحد يقيّده. لقد أحاط نفسه بالمنافقين والمتملقين. ولذلك فهو يدير البلاد الآن كما كان يدير شركاته — عرض رجل واحد، حر في عقد صفقات سيئة.
هذا الأسلوب الإداري أدى إلى ست حالات إفلاس لشركاته. ولسوء الحظ، نحن اليوم جميعًا مساهموه، وأخشى أنه سيفلسنا كأمة — أخلاقيًا بالتأكيد، وربما ماليًا وسياسيًا يومًا ما.
لقد أصبح سلوك ترامب متهورًا إلى هذا الحد، وأنانيًا إلى هذا الحد، ومتناقضًا بشكل واضح مع المصالح الأميركية — حتى كما عرّفها الجمهوريون لفترة طويلة، ناهيك عن الديمقراطيين — لدرجة أن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل تُحكم أميركا الآن بواسطة ملك مجنون؟
بلا .. خجل!
أي رئيس أميركي يمكن أن يكتب النص الذي كتبه ترامب لرئيس وزراء النرويج، ، مدعيًا أن أحد أسباب سعيه للاستحواذ على غرينلاند هو أنه لم يُمنح جائزة نوبل للسلام؟ كتب :
"نظرًا لأن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لإيقافي 8 حروب وأكثر، لم أعد أشعر بأنني ملزم بالتفكير في السلام فقط، رغم أنه سيظل أولوية، ويمكنني الآن التفكير فيما هو جيد ومناسب للولايات المتحدة."
اقرأوا هذه الكلمات ببطء. إنها لا تصرخ " أميركا أولًا"، بل تصرخ "أنا أولًا". تصرخ : "أنا، دونالد ترامب، مستعد للاستيلاء على غرينلاند، ولو على حساب تفكيك تحالف الناتو الذي يبلغ عمره 77 عامًا، لأن لجنة نوبل لم تمنحني جائزتها العام الماضي" — متجاهلًا أن الحكومة النرويجية لا تتحكم أصلًا في منح الجائزة.
كان يمكن أن يكون الأمر مختلفًا لو قال ترامب إنه مستعد لكسر الناتو بسبب مبدأ جيوسياسي يمس أمن الشعب الأميركي .
قد لا أتخيل السبب، لكن يمكنني تصور الاحتمال. أما ما لا يمكن تصوره فهو رئيس أميركي مهووس بجائزة نوبل لإشباع غروره والتفوق على سلفه — وكذلك مساواة باراك أوباما — إلى درجة أنه مستعد لتدمير التحالف والتجارة مع أوروبا لأنه لم يفز بها.
أحاول أن أتخيل مشهدًا يُملي فيه ترامب تلك الرسالة على أحد مساعديه بلا خجل، ويرسلها ذلك الشخص للنرويجيين — دون أن يوقفه أحد في البيت الأبيض، دون أن يقول له أحد: "سيدي الرئيس، هل جننت؟ لا يمكنك وضع طموحك الشخصي فوق مستقبل التحالف الأطلسي."
أميركا لو كانت.. شركة !
لكن ترامب يستطيع ذلك، لأنه لا يقدّر الدماء والأموال والجهود التي بذلتها أجيال من الجنود والدبلوماسيين والرؤساء الأميركيين لبناء هذه الشراكة المتينة مع أوروبا.
دعوني أوضح الأمر بلغة يفهمها ترامب: لو كانت أميركا شركة، لقلنا إن جيلًا من العمال والمديرين والمستثمرين الأميركيين بنوا أنجح شركة في التاريخ — تحالف الأطلسي/الناتو. باستثمار صغير نسبيًا في أوروبا بعد الحرب، عبر خطة مارشال، خلقنا شريكًا تجاريًا قويًا جعل أميركا وأوروبا أكثر ثراءً؛ وحولنا أوروبا من قارة الحروب القومية إلى أكبر مركز للأسواق الحرة والشعوب الحرة وسيادة القانون — حليف ديمقراطي يساعدنا على استقرار العالم واحتواء روسيا.
صحيح أن أوروبا تواجه تحديات كبيرة: الهجرة غير المنضبطة، الإفراط في التنظيم، صعود اليمين المتطرف. وهناك مخاوف أمنية مشروعة في القطب الشمالي. لكن أجيالًا من رجال الدولة الأميركيين فهموا أهمية الشراكة الأميركية - الأوروبية ولم يفكروا أبدًا في التضحية بها بسبب مسألة سيادة على غرينلاند.
من الواضح أن شخصًا نرجسيًا مرضيًا فقط، يريد اسمه على كل شيء — من مركز كينيدي إلى جائزة نوبل — قد يخاطر بكل هذا للاستيلاء على غرينلاند، خصوصًا وأن لدينا بالفعل حق تشغيل قواعد عسكرية هناك واستثمار مواردها.
ولو كانت أميركا شركة فعلًا، لكان مجلس الإدارة قد أعلن "تدخلًا" مع المدير التنفيذي بسبب هذا السلوك.
لكن للأسف، مجلس إدارة أميركا — الكونغرس الذي يقوده الجمهوريون — عطّل نفسه بالكامل. وبالتالي، نحن الشعب، المساهمون، سنُترك لدفع الفاتورة.
في هذه الأثناء، لا يصدق منافسو أميركا حظهم. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فهمت روسيا والصين ما لم يفهمه ترامب : ميزة أميركا التنافسية. فبينما كان لديهما دول تابعة فقط، كان لدى أميركا سلاح سري : حلفاء يشاركونها القيم ومستعدون للقتال والموت معها، كما فعلت الدنمارك.
كانت روسيا والصين تحلمان بيوم تفقد فيه أميركا حلفاءها وينهار الناتو. وبدون الحلفاء الاقتصاديين والعسكريين، لن تكون أميركا بنفس القوة.
ثم تحقق حلمهما يومًا ما. انتخب الشعب الأميركي رجلًا يقودنا — مهما قال — ليس نحو "أميركا أولًا"، بل نحو " أميركا وحدها" و"أنا أولًا".
لم ينه " فريدمان " مقاله حتى قام " ترامب " بالرد عليه عمليا عندما قال بأنه أميركا ستفرض السيادة على مناطق في غرينلاند تضم قواعد أميركية . ( نيويورك بوست - 25 يناير 2026 ) و يعتزم إرسال مستشفى عائم إلى غرينلاند . ( رويترز - 22 فبراير 2026 )
مراكز الأبحاث.. ماذا قالت ؟
تناولت مراكز الفكر مستجدات الضغوط الأميركية على غرينلاند
المجلس الأطلسي (Atlantic Council) : يُظهر التعاون الأمني في القطب الشمالي مسارًا يعزّز مصالح «واشنطن» مع الحلفاء، ويمنح إدارة «ترامب» مخرجًا سياسيًا، مقابل خيار قسري في «غرينلاند» ينطوي على مخاطر كبرى تهدد التحالفات الغربية وتماسك «الناتو».
مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي (ECFR):* تعكس التحليلات تصورًا أوروبيًا يقوم على الردع الدبلوماسي المشروط، عبر توظيف أدوات العقوبات والتلويح بتقليص التعاون الأمني لرفع كلفة أي تحرك أمريكي أحادي يمسّ «غرينلاند»، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
مركز السياسات الأوروبية (EPC) : يؤسس مسار تهديد «ترامب» بضم «غرينلاند» سابقة مقلقة، إذ يفتح الباب أمام تهديدات لاحقة لجزر أخرى مثل «سفالبارد»، ما يجعل التعاون بين «غرينلاند» و«الدنمارك» و«الناتو» و«الاتحاد الأوروبي» أداة ضرورية لرفع كلفة التصعيد و الردع الدبلوماسي .
مركز دراسات السياسة الأوروبية (CEPS) : تحركات «واشنطن» بشأن «غرينلاند» لن تُسقط «الناتو» أو «الاتحاد الأوروبي»، لكنها تكشف تناقض خطاب إدارة «ترامب» مع جوهر «الحلف»، وتُعزّز مبررات بناء ركيزة دفاعية أوروبية مستقلة قائمة على السيادة والتعاون لا الإكراه.
اتفاق .. " ارتباط حر "
مجلس العلاقات الخارجية (CFR):* يمكن للولايات المتحدة نظريًا شراء «غرينلاند» قانونيًا، كما يمكن لـ«واشنطن» إبرام اتفاق «ارتباط حر»، يحافظ على الحكم الذاتي لـ«غرينلاند»، ويؤمّن لـ«واشنطن» حضورًا اقتصاديًا ودفاعيًا طويل الأمد دون كلفة سياسية عالية، لكن ذلك كله يظل مقيدًا قانونيًا وسياسيًا بضرورة موافقة «غرينلاند» و«الدنمارك».
و يضاف إلى ذلك مستجدات التنافس الاستراتيجي في القطب الشمالي ، حيث كشف معهد كوينسي (Quincy Institute) عن تصاعد التعاون الروسي-الصيني في القطب الشمالي ليسبب معضلة استراتيجية لواشنطن، ما يستدعي تبني مقاربة تعايش تنافسي وتعاون ثلاثي مؤسسي يعزز سلامة الملاحة والشفافية والحد من التسلح، ويخفض مخاطر التصعيد، ويحفظ النفوذ الأميركي ، ويعظم المكاسب الاقتصادية والعلمية .
أما مؤسسة كارنيغي (Carnegie) تعكس مقاربة ربط واشنطن للسيطرة على «غرينلاند» باعتبارات الأمن والعائد الاقتصادي تضخيمًا لتهديدي روسيا والصين، إذ إن أي تحرك غير مشروع نحو الاستيلاء عليها سيقوّض الشراكة عبر الأطلسي، ويُسقط مبدأ «الحصرية القطبية»، ويفتح سابقة خطيرة لإعادة ترسيم الحدود.
و يذكر الاتحاد الأوروبي للبحوث السياسية (ECPR) بأنه يمكن للولايات المتحدة تبنّي مسار الاتحاد الأوروبي القائم على نهج «المساهمات أولًا» عبر سد النقص الكبير في كاسحات الجليد لدى دول «الناتو»، والاستفادة من تراخيص معادن «غرينلاند» المتاحة، وتعزيز تمويل خبراتها الجامعية القطبية، بما يدعم دورها القيادي دون تصعيد سياسي.
الدول الكبرى.. تضارب مصالح ؟!
و يقول معهد بلومزبري للاستخبارات والأمن (BISI) أن الانفتاح التدريجي للممرات البحرية في القطب الشمالي ينتج ديناميكيات اقتصادية تتداخل مع التحديات الأمنية بشكلٍ متزايد، إذ يعزز تقصير مسافات الشحن بين آسيا وأوروبا جاذبية هذه المسارات، مما يخلق حوافز للاستثمار في الموانئ واللوجستيات والبنية الرقمية وممرات النقل شمال الدول الإسكندنافية.
مؤسسة أوبزرفر للأبحاث (ORF) تشير إلى أنه رغم غياب كتلة قطبية متماسكة، تتقدم دول غير قطبية كفاعلين جدد في القطب الشمالي، مدفوعة بأهميته في الحفاظ على التوازن المناخي العالمي وموارده الطبيعية الضخمة ومساراته التجارية المحتملة، ما يرجّح تكثيف انخراطها الاستراتيجي مع اتساع فرص التجارة البحرية والترابط الاقتصادي.( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية- 21 / 22 فبراير 2026 )
يظهر من كل ذلك، أن بؤرة الصراع في " غرينلاند " هي حول تضارب المصالح الاقتصادية للدول الكبرى ، و التي بينها خلافات سياسية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الجغرافيا الجيولوجية مع وفرة الموارد المعدنية في بقعة صغيرة لا ينبغي التهديد بالغزو حيالها مع وجود كافة وسائل التفاهم الدبلوماسي بين الدول المحاذية لجرينلاند !
التراجع.. خطوات !
الإستقرار على حال ليس من دأب ترامب ، بعد شد و جذب ، و ارتفاع وتيرة التوتر ، و صعود ترمومتر الأعصاب العالمي، تراجع «ترامب» عن تهديداته بفرض رسوم جمركية أو استخدام القوة للسيطرة على «غرينلاند»، عقب التوصل إلى اتفاق إطاري يخص الجزيرة والمنطقة القطبية.
مالذي كان يمنع ترامب من اتخاذ هذه الخطوة المهمة منذ بداية الأزمة؟!
سيادة الدول على مر الأزمان خطوط التماس عندها مهلكة ، فهي لا تقل خطورة عن أسلاك الكهرباء العارية ، و هذا ما
أكد عليه أمين عام «الناتو» بأن مسألة تبعية «غرينلاند» للدنمارك لم تُطرح في المحادثات مع «ترامب»، مشيرًا إلى أن التركيز ينصب على أمن القطب الشمالي. ( 26 يناير 2026 )
و في هذا الصدد أعلنت وزارة الخارجية الدنماركية (28 يناير 2026 ) عن انعقاد محادثات ثلاثية في واشنطن بين الولايات المتحدة والدنمارك وجزيرة غرينلاند، لبحث اتفاق إطاري جديد يراعي المخاوف الأميركية المتزايدة بشأن الجزيرة، في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بالمنطقة.
يُظهر تركيز المحادثات على قضايا الدفاع والأمن في القطب الشمالي حرصًا أوروبيًا على ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة؛ عبر بلورة إطار أمني جديد يراعي مصالحها الاستراتيجية، دون المساس باعتبارات السيادة.( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية- 30 يناير 2026 )
انتخابات.. مبكرة
و لتثبيت الحق الشرعي للجزيرة دعت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن إلى إجراء انتخابات مبكرة في 24 مارس 2026، قبيل موعدها المقرر في 31 أكتوبر، للاستفادة من الزخم الشعبي الذي أعقب تهديدات ترامب بغزو غرينلاند.
و تشير التقديرات إلى أن تركيز «فريدريكسن» على قضايا الأمن والدفاع قد يستقطب الناخبين المحافظين، لكنه قد يواجه معارضة من أحزاب يسارية تدعو إلى إعطاء الأولوية للسياسات الاجتماعية والاقتصادية . ( مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية - 27 فبراير 2026 )
أكثر من عام على حكم ترامب في البيت الأبيض، والسلطة تراقص وحدها، والولايات المتحدة تبدو مسرحا لشخصية واحدة تتحدى الزمن، والصمت العالمي يترقب الخطوة التالية… فإلى أي مدى يمكن لشخص واحد أن يكتب التاريخ دون أن يفسده؟ ( يسرا عادل - صحيفة الخليج : الثلاثاء 29 يناير 2026 )
الختام .. في السلام
بعد كل ذلك ، و امتداد أذرع أميركا في الجبهات تقريبا، على مستوى العالمي و الإقليمي و حتى المحلي الأميركي ، نطمح إلى أميركا شبه منعزلة لأنها لم تنجح في اختبار " السلم و أمن الدوليين " ، بعد أن تخلت عن رعاية السلم العالمي الذي كانت تتفاخر به لعقود لم تنتج إلا المزيد من الأزمات المستعصية.
لقد آن أوان التفكير مليا في الدفع بالقطبية المتعددة إلى الأمام، و الإبتعاد عن الأحادية المتعثرة بشهادة أهل الدار الأميركية، من أجل الحفاظ على لحمة التعاون الدولي في كل المجالات بعيدا عن الضغوط السياسية على الدول التي تدفع استحقاقات السلام والاستقرار بكل السبل الكفيلة لتحقيق أهدافها السلام الشامل في المنطقة والعالم أجمع .