باور بريس

طارق رضوان يكتب: حرب الطاقة المقدسة 3

باور بريس

كانت الضربة الامريكية لمشروع خط «أفريكان ستريم» على روسيا، ضربة قاسمة لمشروع
اسيوى ضخم تتزعمه روسيا ومن خلفها الصين . لذلك ردّت روسيا على مشروع نابوكو
باستراتيجية ذات مسارات متعدّدة من أجل محاولة إيقاف تنفيذ هذا المشروع، فبدأت بإثارة
نقاش حول الصفة القانونية لبحر قزوين. فالقانون الدولي يفرّق بين البحيرة والبحر في ما
يخص الحقوق والالتزامات الناشئة للدول المطلّة عليه، فإذا كان المسطّح المائي بحرًا، فإن
الدول المحيطة به تتقاسم ثرواته حسب طول شاطىء كل منها، أما إذا كان الحوض بحيرة فإن
الدول المحيطة به تتقاسمه وثرواته بالتساوي.
على هذا الاساس تبنّت روسيا تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة تتجدّد مياهها بواسطة نهر
«الفولجا» الروسي، والقانون الدولي يمنحها حق الاستفادة بالتساوي مع باقي الدول المحيطة
بالحوض. وهكذا وإلى أن يتم الاعتراف بقزوين «كبحر»، لا يحق لتركمانستان أو أذربيجان
أو غيرها إنشاء حقول نفط أو غاز على الساحل القزويني من دون موافقة الروس.
كذلك اتجهت روسيا نحو احتكار عقود بيع وشراء الغاز في آسيا الوسطى، وتحديدًا مع جميع
الدول التي ستمد خط نابوكو بالغاز، كتركمانستان وأوزبكستان .
ويثار هنا سؤال هام . ما هو الهدف من نابوكو، وما الجدوى من إنشاء خط أنابيب لنقل غاز ,
جفّفت روسيا كل مصادره، ولا تتوافر له حتى الجغرافيا ليمرّ فيها؟
الاجابة تكمن فى ان الولايات المتحدة اعتمدت وحلفاؤها استراتيجية هجومية، للرد على كل
العراقيل الهادفة لإنجاح المشروع فمضوا قدمًا في مشروع بناء خط الأنابيب أولا ثم البحث
عن الغاز ثانيًا، وذلك عملًا بالقول الأميركي المأثور «لقد اتخذت قراري فلا تشوّش علي
بالحقائق والوقائع».
كما أن الإصرار على المشروع يشكّل ضغطًا استراتيجيًا دائمًا على روسيا، ما دفعها إلى تلبية
حاجات أوروبا من الغاز.
كذلك برزت مطامح تركيا التي ستستفيد من تحوّلها إلى عقدة خط أنابيب الغاز، فضلًا عن أن
نابوكو سيعود عليها بعائد سنوي يبلغ 630 مليون دولار، وسيساعدها أيضًا في المفاوضات
الجارية مع أوروبا بهدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. من هنا يمكن فهم ماهية الموقف

التركي من الأحداث الجارية في المنطقة، من تونس إلى ليبيا ومصر ثم سوريا، خاصة إذا
علمنا أن نابوكو عبارة عن اتحاد بين شركات ألمانية ونمساوية وبلغارية وتركية ورومانية
بدعم اميركي .
عدم توافر الغاز الآسيوي لخط نابوكو سيتم تعويضه بالغاز المتوسطي، الحوض المتوسطي
هو الأغنى في العالم بالغاز، وأن سوريا ستكون الدولة الأغنى بمواردها، وعقدة طرق
الأنابيب القادمة من الشرق. وكذلك الأمر بالنسبة إلى خط الأنابيب الإيراني أو القطري (أو
كليهما)، عبر العراق وسوريا فلبنان. والصراع الدائر في المنطقة سببه الرئيسى رفض بعض
دول الإقليم وبخاصة سوريا وايران، الانصياع لإرادة بعض الدول العربية، والأوروبية
والولايات المتحدة وتركيا في إنجاز هذا الملف وفق إرادة ومصالح الدول الغربية ومخطّطات
أنابيبها، ووقوفها في الجهة المؤيدة لمصالحها اولا، وللمصالح الروسية المتحالفة معها ثانيًا....
إنه الإقتصاد .
لقد بات واضحًا أن الإمساك بزمام موارد الغاز الطبيعي، وأنابيبه وممراته، أضحى جزءًا
أصيلًا من معايير القوة الجيوسياسية في عالم اليوم . فمن جهة أخرى تكشف آليات الصراع
الدولي الحالي أن النظام العالمي الجديد يتشكل وفق صيرورة تقوم على منظومات القوة
الاقتصادية والهيمنة العسكرية التي ترتكز على حجر أساس هو الطاقة بشكل عام وعلى الغاز
الطبيعي بشكل خاص، ومن هنا يمكن فهم آليات التنافس والصراع بين المحورين الروسي
الصينى الأميركي وصيرورتها التي تشي باقتراب تبدّل النظام العالمي من هيمنة القطب الواحد
إلى نظام آخر متعدد الأقطاب.
كذلك تدل الوقائع التي تشهدها المنطقة، على أن هذا الاقليم سيشكّل لسنوات قادمة مسرحًا
للصراع والتجاذب الجيوسياسي العالمي، وأن دول المنطقة تدور في حلقة من العنف
والاهتزازات وبخاصة تلك التي تحتوي إمكانات هائلة من الغاز. ومن هنا يمكن إدراك معنى
التركيز الغربي على سوريا في هذه المرحلة، بموقعها الجيوستراتيجي المهم على البحر
المتوسط وثرواتها الواعدة، فهي مفتاح آسيا من خلال الخط الذي يمتد من إيران عبر
تركمانستان إلى الصين، والخط المقترح، والذي قد يمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى
البحر ولبنان (طريق الحرير الجديد). وربما هنا سبب الخلاف ومربط النزاع والتدخّلات
الدولية الغربية، والاشتباك الإقليمي من الخليج إلى تركيا، وحتى روسيا أيضا التي تعتبر أن
سوريا«بوابة موسكو» كما قالت الامبراطورة الروسية كاترين الثانية، ففوق أرضها وفي
بحرها وبيد سلطتها هذا المفتاح.

لكن ما معنى نابكو ومن اين استلهم الغرب هذا المسمى ؟ سؤال لابد من البحث عنه لنعرف
السر الكامن فى تلك المصطلح وهو ما يدل على انه مسمى من اختراع الالات الاعلام
الامريكية التى تبتدع مصطلحات ذات معنى وبعدها تصبح اسما يتدوال على كل الالسنة فى
العالم . فتسمية «نابوكو»، تم استلهامها من مقطوعة موسيقية أوروبية، تدعى «أوبرا نابوكو»
للموسيقي الإيطالي «جيوزيبي فيردي» (القرن التاسع عشر). وتستلهم أوبرا «نابوكو» قيمة
التمسك بالتعاليم الدينية والاستعداد للموت من أجلها، انطلاقًا من إحدى القصص الواردة في
العهد القديم والتي تحكي عن جزء من تاريخ اليهود خلال حكم الملك نابوكو الثاني (نبوخذ
نصّر 605–562 ق.م) الذي دمّر معبد سليمان القديم وسبى اليهود إلى بابل، وأجبرهم على
عبادة آلهة بابل. وهذه المقطوعة ترمز إلى التحرر من العبودية والخنوع، واعتمادها تسمية
لمشروع الأنابيب إشارة إلى الرغبة في التحرر من الوصاية الروسية في مجال الغاز !!