عبد الفتاح موسي يكتب: قيمتك… تصنعها يداك
كان يا مكان… في زمنٍ ليس ببعيد، كان هناك شاب يشبهنا جميعًا، يحمل في صدره أسئلة أثقل من عمره، ويمضي في طرقات الحياة وكأن الأرض تضيق به خطوةً بعد أخرى.
وفي ليلةٍ باردة، عاد إلى بيته مثقلاً بالإحباط، يجرّ أذيال يومٍ لم يجد فيه معنى لما يفعل… ولا لما يعيش من أجله.
جلس، وعيناه معلّقتان في الفراغ، ثم تمتم بصوتٍ يكاد يُسمع:
“ما قيمة هذه الحياة؟”
لمح أبوه ذلك الشرود الذي لا يُخطئه قلبٌ يعرف ابنه، فسأله بهدوء:
“فيما تفكر يا بني؟”
رفع الشاب رأسه، وكأن السؤال كان ينتظره ليخرج:
“أخبرني يا أبي… ما قيمة الحياة؟ وما قيمتي أنا فيها؟”
لم يُجب الأب…
لم يعظه، ولم يُلقِ عليه كلمات محفوظة…
بل قام بهدوء، وأعطاه حجرًا صغيرًا، وقال:
“خذ هذا الحجر، واذهب به إلى السوق… اعرضه للبيع.
ومن يسألك عن سعره… لا تتكلم، فقط أشر بإصبعين.”
تعجّب الشاب، لكنه أطاع.
وقف في السوق، يحمل الحجر كأنه يحمل سرًا لا يفهمه.
اقترب منه رجل، نظر إلى الحجر سريعًا، ثم سأله: “بكم هذا؟”
فأشار الشاب بإصبعين كما أُمر.
ضحك الرجل وقال باستخفاف:
“درهمان؟! بل لا يستحق أكثر من ذلك!”
عاد الشاب إلى أبيه، وقد ازدادت حيرته، فقصّ عليه ما حدث.
فقال الأب بهدوء:
“اذهب غدًا إلى المتحف… وافعل الشيء نفسه.”
وفي اليوم التالي، وقف الشاب في مكانٍ مختلف… نفس الحجر، لكن العيون التي تنظر إليه لم تكن كالأمس.
سأله أحدهم عن السعر، فأشار بإصبعين.
تأمل الرجل الحجر طويلًا، ثم قال:
“مئتان؟ لا… مئة درهم تكفي… لكنه يستحق.”
عاد الشاب، وقد بدأ شيءٌ ما يتحرك بداخله… لكنه لم يكتمل بعد.
فقال له الأب هذه المرة:
“اذهب به إلى محل الأحجار الكريمة.”
وهناك…
قبل أن يرفع الشاب يده حتى، خطف صاحب المتجر الحجر من يده، وعيناه تلمعان بدهشةٍ لم يرَها من قبل، وقال بلهفة:
“من أين جئت بهذا؟! هذا حجر نادر!
أعطيك مئتي ألف درهم… الآن!”
تجمّد الشاب في مكانه…
نفس الحجر… نفس اليد… لكن القيمة… تغيّرت بشكلٍ لا يُصدّق.
عاد إلى أبيه، وهذه المرة لم يكن يحمل حجرًا فقط… بل يحمل إجابة.
ابتسم الأب، وقال له بصوتٍ عميق كأنه يخرج من قلب التجربة:
“الآن عرفت يا بني…”
وسكت لحظة، ثم أكمل:
“قيمة الحياة… ليست فيما تحمله… بل في المكان الذي تُعرض فيه.
وقيمتك أنت… ليست فيما يراك به أول عابر… بل فيمن يُدرك حقيقتك.”
ثم اقترب منه أكثر وقال:
“قد تعيش بين من لا يرون فيك إلا درهمين…
وقد يراك آخرون بمئة…
لكن هناك دائمًا من يعرف قيمتك الحقيقية… إن وضعت نفسك في مكانك الصحيح.”
وساد صمتٌ قصير… لكنه كان ممتلئًا بكل شيء.
ثم قال الأب، وكأنه يضع خلاصة العمر في كلمات:
“اختر بيئتك يا بني…
اختر من تُحيط نفسك بهم…
فإما أن يرفعوك… أو يختزلوك… أو يقتلوك ببطء دون أن تشعر.”
ونظر إليه نظرة أخيرة وقال:
“فالنبات الطيب لا ينبت إلا في تربةٍ خصبة…
أما الأعشاب الضارة… فلا تحتاج إلا إلى ماءٍ راكد.”
وفي تلك اللحظة…
لم يعد الشاب يسأل عن قيمة الحياة…
بل بدأ يسأل:
“أين مكاني الحقيقي؟… ومع من يجب أن أكون؟