باور بريس

عبد الفتاح موسي يكتب: محدّش مرتاح…

باور بريس

من أول الطريق…
هذا الذي يعمل، لا يجد راحته في عمله،
وذاك الذي اغترب وجمع المال، يحمل في قلبه وجعًا لا يراه أحد.

من تزوّج، يشكو من حمل الحياة، ومن لم يتزوّج، يهرب من صمت وحدته.
هذا رُزق بأبناء، فضاقت به المسؤولية،وذاك حُرم منهم، ينتظر كلمة “أبي” كأنها حياة كاملة.

أناس وصلوا إلى مناصب… وما زالوا يشعرون أنهم لم يصلوا،ومن يملك الصحة، ينظر إلى المال، ومن يملك المال، يتمنى أن يشتري يومًا من العافية.

والأقسى من كل ذلك أن يكون للإنسان كل شيء، ويشعر في داخله أن شيئًا ما ناقص…
شيء لا يُرى… ولا يُفهم… لكنه يؤلم.

فكيف نبحث عن السعادة ونحن نفتّش عنها بين جراحنا؟
كيف نطلب الطمأنينة ونحن لا نرى من حياتنا إلا ما ينقصها؟

نُرهق أنفسنا بالمقارنة، نستدعي أسوأ ذكرياتنا كلما هدأنا،
وكأننا لا نُجيد إلا أن نُثقل قلوبنا بأيدينا.

لم تكن الدنيا دار شقاء ولكننا جعلناها كذلك.
خلقنا الله لنحيا، لنطمئن، لكننا لم نتعلم كيف نرضى ولا كيف نكتفي.

صار الإنسان خصم نفسه يعذّبها بلا رحمة، كأن الحزن أصدق من الفرح، وكأن الألم هو الحقيقة الوحيدة التي يجب أن نتمسك بها.

وما بين ما نملك… وما نفتقد ضاعت أعيننا عن رؤية النعمة.

صرنا نعدّ ما ينقصنا بدقة، ونمرّ على ما لدينا مرور الغافل حتى أصبح الشكر غريبًا وأصبح الرضا شيئًا نؤجله إلى وقت لا يأتي.

إسعاد النفس ليس ضعفًا بل هو نجاة.
أن تقف لحظة و تسكت هذا الضجيج، وتسأل نفسك بصدق:
هل ما عندي… قليل؟
أم أن قلبي هو الذي لم يعد يرى؟

ربما لا نحتاج أن نملك أكثر بل نحتاج أن نشعر بما نملك.

ربما لا ينقصنا شيء بقدر ما ينقصنا أن نهدأ،
أن نتصالح مع أنفسنا،
أن نكفّ عن مطاردة سراب اسمه “الكمال”.

ما زال في العمر وقت…لكن ليس بالقدر الذي نظنه.

وما يؤلم حقًا أن نكتشف متأخرين أننا كنّا نملك ما يكفي لنكون سعداء لكننا لم نكن نملك قلبًا يرى.

فلا تبحث بعيدًا فالسعادة لم تهرب منك،أنت فقط ابتعدت عنها.

ارجع إلى نفسك، إلى ما لديك، إلى ما بقي فيك من طمأنينة لم تمت بعد.

وارضَ…
ليس لأن كل شيء كامل،
بل لأنك أدركت أخيرًا أن الله لم ينقصك شيئًا، وأن ما كنت تبحث عنه طوال الطريق…كان يسكنك منذ البداية