باور بريس

عبد الفتاح موسي يكتب: وداعًا أيها الصبي

باور بريس

 

في يوم من الأيام، ومثل كثير من الأيام التي تشبه بعضها حتى كأنها نسخة مكررة من العمر، استيقظت مبكرًا، ارتديت ملابسي، واستعددت للذهاب إلى عملي في يوم جديد من رحلة السير على الحبال.

وكعادتي، وقفت أمام المرآة ألقي نظرتي الأخيرة قبل الخروج.
لكن الصدمة كانت في انتظاري. نظرت إلى المرآة فلم أرَ وجهي. لم أرَ تلك التجاعيد الخفيفة التي خطها الزمن، ولا تلك النظرات التي أثقلتها السنوات.

رأيت طفلًا صغيرًا.
طفلًا أعرفه جيدًا، لكنني احتجت إلى لحظات طويلة حتى أتذكره.
نظرت إليه متعجبًا وسألته: من أنت؟ ومن أين أتيت؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال: هل عجزت عن التعرف عليّ؟

قلت له: وكيف أعرفك وأنا لا أعلم من تكون؟

فقال: عد إلى الخلف أكثر من خمسة وثلاثين عامًا…

أنا أنت.
أنا ذلك الطفل الذي كان يسكنك يومًا.
أنا صاحب الأحلام التي كانت أكبر من الشوارع التي كنا نجري فيها. أنا صاحب القلب الذي كان يصدق أن الدنيا جميلة، وأن الناس جميعًا طيبون، وأن الغد يحمل لنا ما نتمنى.

أنا أنت حين كانت الطاقة تفيض من عينيك، وحين كان الأمل يسبقك إلى كل مكان.ثم اقترب مني قليلًا وقال بصوت مرتجف: لكن لدي سؤالًا واحدًا.

ماذا فعلت بي؟
أين ذهبت أحلامي؟
أين راحتي؟
أين ضحكتي التي كانت تسبقني؟
أين قلبي الأبيض؟
أين تلك القوة التي كانت تجعلني أؤمن أن لا شيء مستحيل؟
كيف انحنى ظهري هكذا؟
وكيف استُهلك العمر بهذه السرعة؟

أجبني… قبل أن أفقد عقلي.

نظرت إليه طويلًا، ثم قلت بحدة لم أتوقعها من نفسي:
بل أنت من فعلت ذلك بي.
أنت من حلم بما يفوق قدرة البشر.
أنت من أراد أن يمسك نجوم السماء بيدين صغيرتين.
أنت من أحب العالم كله قبل أن يعرف شيئًا عنه.
أنت من رسم طريقًا من الورود، ثم تركني أمشي فيه لأكتشف الأشواك وحدي.
أنت من حمّل كتفي أحلامًا أثقل من الجبال.
أنت من ظن أن الحياة عادلة دائمًا.
أنت من حنيت ظهري بأحلامك.

ساد الصمت.
صمت طويل حتى شعرت أن الزمن نفسه توقف بيننا.

ثم رأيت الدموع تلمع في عينيه.

وقال بصوت خافت: ربما كنت مخطئًا…
لكن أخبرني.
لو لم أحلم… فكيف كنت ستصل إلى هنا؟
لو لم أصدق المستحيل… فكيف كنت ستنجو من الممكن؟
لو لم أزرع في قلبك كل تلك الأحلام… فهل كنت ستستطيع احتمال كل ما مر بك؟

سقطت كلماته فوق قلبي كالمطر وأدركت أن العمر لا يسرق الأحلام نحن فقط ننسى أحيانًا الطريق إليها.

وليس لأن الطريق صعب، ولا لأن الأبواب أُغلقت في وجوهنا، بل لأن ضجيج الحياة يعلو أحيانًا على صوت ذلك الطفل الذي يسكن أعماقنا.
ذلك الطفل الذي كان يرى الفرصة في كل عثرة، والأمل في كل ظلمة، والبداية في كل نهاية.

وقفت أمام المرآة للحظات طويلة.

أنظر إلى وجهي الذي مرّت عليه السنوات، وإلى عينيّ اللتين حملتا من الحكايات ما يكفي لأعمار أخرى.

ثم ابتسمت ابتسامة هادئة هذه المرة.
فقد فهمت أخيرًا أنني لم أكن أبحث عن الطفل الذي كنته…

بل كنت أبحث عن الإنسان الذي أردت أن أكونه.

أدركت أن الأحلام التي لم تتحقق لم تمت، وأن ما انكسر في الطريق لم يذهب هباءً، وأن كل جرح ترك في القلب أثرًا، ترك معه درسًا أيضًا.

وربما لم أصبح ذلك البطل الذي تخيله الصبي يومًا لكنني أيضًا لم أكن ذلك المهزوم الذي ظننته أنا.

مددت يدي نحو المرآة للمرة الأخيرة، وكأنني أصافحه.

ثم همست بصوت خافت: شكرًا لأنك كنت البداية.

وشكرًا… لأنك بقيت حيًا بداخلي كل هذه السنوات .

ثم استدرت ومضيت في طريقي وعلى شفتي ابتسامة صغيرة وفي قلبي أمل كبير.

وقبل أن أغادر المكان، التفت إلى المرآة مرة أخيرة وقلت:

وداعًا أيها الصبي…