باور بريس

دكتور عبد الله العوضي يكتب: أميركا ..لا إمبراطورية و لا استعمار ؟!

باور بريس

 

قبل  قرابة ثلاثة عقود من الآن كتبت عن أميركا وفقا لمخرجات الدراسات المستقبلية آنذاك بأنها ستتسيد العالم لثلاثة عقود مقبلة أي إلى ما بعد يومنا هذا .
في الوقت الذي كان البعض يتمنى أفول أميركا لحاجة في نفسه لم يقضها حتى اليوم ، ترى ما السر الواضح في استمراريتها قيادة العالم حتى وقتنا الراهن؟! 
سر الأسرار  يكمن في كونها ليست دولة استعمارية و لا إمبراطورية بالمفهوم السائد منذ قرون إلى أن حل زمن القرن الأميركي .
انتهيت عن قريب من  كتاب يتحدث عن أميركا بعد مائة عام و ليس بعد ثلاثين عام كما سبق ، و هو رد مباشر على أمنيات البعض في زوال أميركا من الوجود و كأنها إسرائيل ثانية ؟! 
و هذا البعض يرد عليهم أحد الشعراء في بيت مقتضب : 
و ما نيل المطالب بالتمني ، و لكن تؤخذ الدنيا غلابا . 
بماذا تغلبت أميركا على الأماني العراض ؟
أميركا الدولة الوحيدة في العالم لا يقيد حركتها أي قانون ؟!  و قوانين الدنيا تدرس في أعرق جامعاتها و على رأسها " هارفرد " التي وقفت أمام ترامب عندما أبادت إسرائيل غزة ؟! 
أميركا منذ استقلالها عن الاستعمار البريطاني ، تعامل العالم أجمع بقانونها الذي صنعته لنفسها قبل أكثر من قرنين ، و لا زال ساري المفعول حتى على مُستعمرها .
لقد ظهر ذلك في أكثر من موقف ، أشير إلى أوضحها ، خروج بريطانيا من الإتحاد الاوروبي " بريكسيت " كان بضغط مباشر من أميركا .
إفشال مشروع الولايات المتحدة الاوروبية في قلب إيرلندا التي أقرب لأميركا التي استطاعت وقف الثورة المسلحة ضد بريطانيا في عهد كلنتون الإيرلندي الأصل و قد قام الأميركان من أصول إيرلندية بمكافأته عند  انتخابه رئيسا للولايات المتحدة لفترة ثانية بفضل أصوات 40 مليون ناخب أميركي من أصل إيرلندي . 
و المثال الأحدث نجده في الضغط على أستراليا لإلغاء اتفاقية الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية مع فرنسا و التي قدرت قيمتها المبدئية ما بين 30 إلى 110 مليار دولار أميركي ، و هو ما تم فعلا بلا تردد من قبل استراليا و إن كانت تابعة ملكيا للتاج البريطاني .
أعود بالتاريخ إلى فترة الخلافة العثمانية ، أين كانت أميركا من خارطة العالم في عهد السلطان عبدالحميد الثاني ، الذي لم يمنح البعثة  الأميركية مرتبة السفارة كما كان الوضع بالنسبة لبريطانيا الإمبراطورية .
اليوم بعد أن تحولت الخلافة إلى تركيا الحديثة ، أصبح لأميركا أكبر قاعدة عسكرية " أنجرليك " في عقر دارها و أصبحت كذلك تركيا عضو فاعل في " الناتو " . ، هكذا الأيام دول ، و هي سنة الكون تجري على جميع الدول مع البشر .
هناك أسباب موضوعية تجعل أميركا العظمى المعادلة الصعبة لمائة عام مقبلة ، نلخصها في أرقام بعيدة عن شحنة العواطف التي لا  تعترف السياسة بها .
أبدأ بقواها الناعمة ، و أعني بالأخص خاصة مكتبة الكونجرس التي تحوي على علوم الأرض بما يقارب أربعين مليون عنوان لا يسع عمر الإنسان قراءة فهارسها .
تحتوي أراضيها التي تبلغ مساحتها قرابة عشر مليون كيلومتر مربع ، 70 مصدر من مصادر الثروة الاقتصادية ، و ليس لها منافس في أي دولة أخرى . 
مؤشر الناتج المحلي الإجمالي ، الأضخم على مستوى العالم ، و هذه مقارنة مختصرة مع الدول الكبرى .
حسب أحدث الأرقام ، أميركا وحدها أكثر من 22 تريليون دولار ، الصين قرابة 15 تريليون  ، الإتحاد الأوروبي كله قرابة 19 تريليون ، و أخيرا اليابان قرابة 5 تريليونات دولار .
أما قواها الصلبة في خارج حدودها ، لديها قرابة 70 قاعدة عسكرية ثابتة في مختلف الدول ، و أكثر من 800 قاعدة متنقلة ، و قرابة ربع مليون جندي يجوبون و يلفون العالم ، و لم تجد لها حتى الآن منافس في ذاك ، لذا هي تستعد لمئة عام قادمة منذ أكثر من عقدين ! 
و ما   نذهب إليه ، ليس وليد اللحظة ، بل من مقومات النشأة الأولى لأميركا عندما كانت تزحف نحو الإتحاد الفدرالي خطوة خطوة .
و من ورائها علماء و فلاسفة متحمسين ليوم الوحدة الشاملة ، و من بين هؤلاء " هاميلتون " صاحب نظرية " الاقتصاد السياسي " ، عن طريق وضع القوة الصناعية في المقدمة .
في سنة 1791 ، أي قبل 235 عام من الآن سطر هذا الفيلسوف نظريته و روج لها عن طريق سلسلة من المقالات و البحوث العلمية و المؤلفات  . 
ننظر ماذا سطر " هاملتون " ، قبل أكثر من قرنين يقول : " إن موقفنا من أشد المواقف زعامة ، و إننا لنأمل بعد قليل من انضمامنا انضماما ثابتا للإتحاد أن نصبح هنا في أمريكا أصحاب الكلمة الحاسمة في أوروبا ، و أن نغدو قادرين أن نؤثر في ميزان المنافسات الأوروبية في هذا الجزء من العالم بمقتضى ما تمليه مصلحتنا " .. إن قوة بلادنا و مصادرها الطبيعية توجهها حكومة قوية مقتدرة نحو المصلحة المشتركة يمكن أن تحيط كل التجمعات الأوروبية الناشئة عن الحسد لتعويق نهضتنا .. فالتجارة النشطة ، و الملاحة المنبسطة و الأسطول المزدهر ستكون حينئذ ضرورة أخلاقية و مادية. و يمكننا ثمتئذ أن نتحدى حيل صغار الساسة أن تضبط أو تبدل في مجرى الطبيعة الذي لا يمكن مقاومته و لا سبيل إلى تغييره " ( المصدر : ص 99 من كتاب " تاريخ الفلسفة الأمريكية " - هربرت شنيدر : 2022 )
هذا أحد مرتكزات الولايات المتحدة الأميركية منذ قرون و من يريد تخطيها ، لا بد أن يكون لديه ما هو أفضل أو قرين مساو ، من أجل الصالح العام للعالم أجمع و ليس دولة معينة ؟!