دكتور عبد الله العوضي يكتب:حكاية عن نكاية الحزبية !
دخلت الأحزاب إلى ساحةالحياة السياسية في العالم العربي جدُّ متأخرة وفرخت في بعض دوله تفريخا .
حيث وصلت أعدادها إلى أكثر من سبعين حزبا لم تضف أي نكهة إيجابية إلى صلب الحراك السياسي .
وكان الدافع لوجود تلك الأحزاب هو تقليد و ليس اقتباس مبصر لما هو متاح في العالم الغربي من سقوف عالية في التداول اليومي للقضايا الساخنة بمجتمعاتهم المتحركة .
رغم أن الغرب منذ انتهاجه الديمقراطية أو الإشتراكية ، إلا أن عملية التداول على السلطة لم يخرج عن حزبين أو ثلاث ، ولم تجر الدماء الزكية من أجل الوصول إلى المبتغى ، أو رأس الهرم في الدول .
ففي لبنان و السودان و سوريا والعراق والصومال ومصر وليبيا .. ألخ
لم يستقر الحال بمن انتهج الحزبية وسيلة للوصول إلى الحكم ، وقد غرق رؤساء الأحزاب في صراعات دامية إلى درجة دنيئة من كيد المكائد و تبييت المؤامرات لبعضهم البعض حتى يطْبِق عليهم قول ربنا سبحانه " كل حزب بما لديهم فرِحون " أي فرح شماتة لا فرَحَة بشارة وسعادة ، وكل يلعن الآخر و يطمس كل إنجازاته ، بل و يشوه سيرته الأكاذيب و الشائعات و الدسائس .
لم يستفد الوطن العربي من هذه الأحزاب التي أصبحت أكبر من الهمِّ على القلب قيد أنملة .
تاه الوطن وضاع هيبته و مكانته بين يدي الحزبيين من كل المشارب الفكرية ، و لم يستطع حزبا واحدا أن يرتقي إلى مستوى أي حزب أوروبي .
الأحزاب في الغرب عمَّرت دول وفي الشرق حطَّمت الدول العميقة، لم نسمع في الأنظمة الغربية عن حزب واحد يمسك بتلابيب السلطة لعقود كما هو الوضع في بعض المشرق و المغرب العربي .
نضرب مثلا حاضرا في الأذهان و ظاهرا للعيان بالأميركان الذي اعتبر البعض منهم أنهم ابتلوا بترامب و يبدون استحياءهم من ذكره كرئيس منتخب لهم .
هناك حزبان رئيسان يتداولان السلطة منذ قرابة ثلاثة قرون ، و أطول مدة لأي حزب مهما بلغت درجة شعبيته و إنجازاته ثمانية أعوام .
و الخط الأحمر المتفق عليه بين الحزبين المتنافسين غير المتناحرين هو مصلحة الوطن فوق أي مصلحة أخرى و هو ما ترجمه ترامب بأميركا أولا ، ليس شعارا أجوفا بل تنفيذا ملموسا على أرض الواقع كتوفير فرص عمل للباحثين عن الوظائف من خلال الصفقات المليارية مع العديد من دول العالم .
ونحن نتابع لعبة شد الحبل بين الكونجرس بحزبيه والبيت الأبيض في قضية التدخل الروسي في الإنتخابات الرئاسية نرى الرقي و عدم السماح لأخذ الموضوع تجاه الشخصنة ، حتى يأخذ "مولر " دوره و حظه في إتمام كافة الإجراءات القانونية و السياسية التي يثبت الحقائق الخاصة بالقضية .
فالحزبية في الدول الغربية نشأت في سياقها الخاص بها ، وفي العالم العربي لم يراع الإختلافات ، لذا كان سلوك النكاية و طمس الآخر و تدنيس سمعته هو الشغل الشاغل للعمل الحزبي و ليس تعمير الأوطان من خلاله .
هناك حقيقة ساطعة لا ينبغي تجاهلها ، أنه ليس شرطا لازما أن نلبس جلباب الغرب حتى نتقدم مثلهم ففي تاريخ الشرق نماذج للحكم كان الغرب يتباها بها .
فأي جلباب حضاري يمكن لبسه و لكن دون أن يلبسنا ، أو نتلبس به أو يلتبس علينا أمره ، لأن بيئة الشرق والغرب لا يتطابقان و إن كانت سبل الإستفادة مهمة ولكن ليست حتمية .
فالإقتباس دون التباس هو ما ينبغي أن يكون تطبيقة في العالم العربي شديد المراس ، و مخرجات ذلك ينبغي أن يصبح قوي البأس ، و يعمل لها ألف حساب كما هو الوضع في اليابان و كوريا الجنوبية و الصين لاحقا .
سوء التطبيق في العالم العربي أوجد حالة من التشويه والتشكيك حتى بالتجارب المتقدمة في الغرب المبادر والماضي إلى المستقبل وفق المنهج الذي آمن به .
فكان حصاد تلك الحزبية التي أصابها العمى و العمش الليلي عن استدراك إخفاقاتها ، تخبيص في الواقع و تخريص في الخطاب الإعلامي .
و لم يسلم من هذا الوضع إلا بعض الأنظمة الملكية التي ابتعدت منذ البداية من رائحة الحزبية التي لا زالت تزكم الأنوف ، و عندما شعر البعض بوصول رياح السموم إلى استقرار ها و أمنها سدت منافذها و أغلقت أبوابها بأقفال القوانين والتشريعات التي تلزمها حدها .