دكتور عبد الله العوضي يكتب: بم تفكر .. ؟!
أجزاء من عوالمنا مهووسة لمعرفة ما يدور في رأس الفرد من أفكار و ما تختلج النفوس من خواطر و ما هية نوايا الإنسان الخافية ؟!
الفلاسفة منذ القدم يؤكدون على وجود الإنسان في عملية " التفكير " كما قال ديكارت " أنت تفكر .. إذا أنت موجود " .
و لكن المتفلسفين من غير الفلاسفة يريدون الوصول إلى الأمر الذي تفكر فيه و لو عن طريق اختراق كل شيء يطلق عليه مسمى القانون سواء دوليا أو إقليميا .
كل تلك الإختراقات للنفس و العقل و النوايا المبطنة ليس من صلاحية الخلق بل من خصوصيات الخالق أو كما يعرفه الفلاسفة بالعقل الأعظم أو عقل العقول و " الهيولى " .
لكن هناك إصرار ظاهر للعيان و عبر أجهزة أمنية عملاقة كالموساد و السي آس إيه و ال إم 5 و ال 5 آيز ، و بقية المتعاونين معها لإحداث خروقات و خدوش في جدار العقل و النفس البشرية لغايات سياسية أو اقتصادية غير مشروعة لو خرجت إلى العلن .
و جاءت التقنيات الحديثة لتسريع عمليات التقاط موجات الوسوسة و الهمسات سرا و التحدث مع النفس و صولا إلى العقل الباطن و اللاوعي البشري للتلاعب بها وفق شبكات المصالح غير المرئية .
لقد تم تجيير علم النفس إلى هذا الدرك لخدمة جهات " مشبوهة " في ممارساتها ، و استخدم الطب في انتاج عقاقير الهلوسة لسحب معلومات من عقل الفرد المستهدف و من ثم استخدامها في تلفيق التهم جزافا بعيدا عن أروقة المحاكم بكل درجاتها العدلية .
و قد تم تطعيم هذه الإجراءات ، بأجهزة لكشف الكذب للوصول إلى المزيد من الأدلة التي تدين أشخاص قادرين على خداع تلك الأجهزة المستعملة ضدهم ، لأن الإنسان أعقل من جهاز مصنوع من قِبله .
و لسيجمون فرويد السبق في مد هؤلاء بنظرية التنويم المغناطيسي على أنها نوع من العلاج للمرضى النفسانيين ، و قد لا يكونون كذلك ، و إنما السبب الرئيس هو سحب المعلومات من باطن عقله .
وصلت محاولات البعض المصر على معرفة ما يدور في أحلام الأفراد المستهدفين ، و لو بصناعة أجهزة عالية الدقة في الذكاء الإصطناعي ، و لو بزرع فكرة خيالية في عقل الحالمين .
في نهاية المطاف ، و بعد هذا اللف و الدوران حول " النفس الأمارة بالسوء " تجاه المجتمعات و التشكك في مقاصد و نوايا أفراد تجاه بعض الأنظمة الحاكمة و بالأخص في العالم الثالث سابقا و " الرابع " لاحقا .
كان صوت رئيس المخابرات الأميركية السابق مدويا في خسارة كل تلك الجهود السالفة الذكر في عمليات تتبع أنفاس بعض الأفراد وفقا لكل المقاييس الأمنية المتطورة .
فقد أباح سرا حول قيام أجهزته على رصد و مراقبة و التنصت على 750 مليون مكالمة هاتفية في منطقة الشرق الأوسط المشتعل بفتنة " الفوضي الخلاقة " ، على أمل الحصول على معلومة ذي بال ، إلا أن المفاجأة كانت مريعة فقد وجد أكثر من 90% من إجمالي المكالمات تتحدث عن الخبز و الحليب ، و لا أحد مهتم بتغيير أنظمة الحكم ، لأنها لا حاجة لذلك ، فهي مع مرور الوقت تتآكل و حدها و تأكل نفسها .
فعلا نجحت الأجهزة الأمنية في زراعة فكرة التغيير في وسط الجماهير العريضة التي خرجت إلى الشوارع و الساحات ، و بنت سيناريوهات إعلامية مؤطرة لكي تخدم القامعين القابعين وراء نظريات صدقوها بأنفسهم و إن لم تنطلي على الشعوب التي حرمت من الخبز و الحليب ، بل حُرِّمت عليها المراضع الأخرى كذلك .
فكانت النتيجة البقاء في تيه " الربيع " لأكثر من عقد لم تبن الأنظمة المستهدفة لشعوبها شيئا مذكورا ، بل العكس هو الجزء المرئي من جليد التغيير ، و هي سنة الكون التي لا تتبدل مهما كانت قبضة الأجهزة قوية ، إلا أنها تصطدم بواقع أكثر قوة و شراسة عندما تفيق من أحلامها و ترى بأن الفكرة التي زرعت في الأحلام كانت قنبلة موقوتة انفجرت في وجه الزارع .