باور بريس

دكتور عبد الله العوضي يكتب: التحالفات .. ضرورة استراتيجية ؟!

باور بريس

 


تربط العلاقات الدولية بحبل الواقع الراهن ، إضافة إلى المعنى الاستراتيجي لتلك العلاقة التي يراد لها الاستدامة السياسية دون الوقوع في براثن الحروب التي تدمر ليس فقط البشر و الحجر ، بل ما يعيد إليهما الحياة الآمنة و المستقرة عبر العلاقات الدولية من جديد و لكن برؤية مختلفة فرضها الواقع و ليس النصوص التي يشار إليها في مواد و بنود الإتفاقيات السابقة!

 

قِدَم التحالفات في تاريخ البشرية

تُعتبر التحالفات المعيار الرئيسي لتشكيل موازين القوى وصنع التاريخ العسكري والسياسي عبر العصور. إليكم أبرز التحالفات المؤثرة في التاريخ البشري:

1. التحالفات القديمة

• الرابطة الديليية (478 قبل الميلاد): تحالف قادته أثينا مع مجموعة من المدن اليونانية؛ لمواجهة خطر الإمبراطورية الفارسية وتأمين بحر إيجة

• الرابطة البيلوبونيزية (حوالي 550 قبل الميلاد): تحالف عسكري قادته إسبرطة ضد أثينا وحلفائها، وانتهى بهزيمة الرابطة الديليية في حرب مدمرة.

النظرية الأميركية .. في التحالفات !

" إذا أردت السلام، فاستعد للحرب " !

ماذا عنت الإستثنائية الأمريكية عندما تطرقت إلى السياسة الخارجية؟
هل لن تصنع الولايات المتحدة تحالفات ؟ لن تقاتل حروبا ، و سترفض بازدراء الخدع و المكائد؟ بالطبع لا.
و مع كل ، فإن القابلية الأمريكية للإختراق من عام 1776 إلى عام 1820 أثبتت فقط الحكمة السرمدية للشعار الروماني " إذا أردت السلام، فاستعد للحرب "  .
( المصدر: ص 64 “ أرض الميعاد و الدولة الصليبية " / والتر أ . مكدوجال : 2000 )


2. التحالفات الكبرى الحديثة والمعاصرة

• الوفاق الثلاثي (Triple Entente - 1907): ضم بريطانيا، وفرنسا، والإمبراطورية الروسية، وشكّل الكتلة الأساسية للحلفاء ضد القوى المركزية في الحرب العالمية الأولى.

• الحلفاء في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945): تحالف دولي رئيسي ضم الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وبريطانيا، والصين، ونجح في هزيمة قوى المحور (ألمانيا، اليابان، وإيطاليا)

مبدأ الإعتداء على عضو واحد .. يعتبر اعتداء على الجميع!

• حلف شمال الأطلسي (الناتو - 1949): حلف عسكري دفاعي جماعي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية ولا يزال قائماً حتى اليوم، يضم الولايات المتحدة وكندا ودولاً أوروبية؛ وقام على مبدأ أن الاعتداء على عضو واحد يُعتبر اعتداءً على الجميع.

• حلف وارسو (1955 - 1991): تحالف عسكري بقيادة الاتحاد السوفيتي، أُنشئ خلال الحرب الباردة ككتلة مقابلة لحلف الناتو.

3. التحالفات الإقليمية والاقتصادية الهامة :-

• الاتحاد الأوروبي: تحالف سياسي واقتصادي يضم دولاً أوروبية لتعزيز التكامل والرخاء المشترك وحفظ السلام (حائز على جائزة نوبل للسلام في 2012).

• مجلس التعاون لدول الخليج العربية (1981): تحالف سياسي واقتصادي وعسكري إقليمي يضم ست دول عربية لتعزيز التنسيق والأمن المشترك.

• منظمة شانغهاي للتعاون: تحالف يضم دولاً كبرى مثل الصين وروسيا والهند ودولاً أخرى؛ يهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي في أوراسيا.

4 . منظمة " بريكس "


مجموعة بريكس (BRICS) هي منظمة حكومية دولية وتجمع اقتصادي وسياسي يهدف إلى تعزيز التعاون بين الاقتصادات النامية .

 


الدول الأعضاء
تضم المنظمة في عضويتها  الكاملة 10 دول رئيسية هي: 
• البرازيل (Brazil)
• روسيا (Russia)
• الهند (India)
• الصين (China)
• جنوب إفريقيا (South Africa)
• مصر (Egypt)
• إثيوبيا (Ethiopia)
• إيران (Iran)
• الإمارات العربية المتحدة (United Arab Emirates)
• إندونيسيا (Indonesia)

معنى التسمية ونشأتها
• التأسيس: بدأت الفكرة عام 2006، وعقدت أول قمة رسمية لها عام 2009.
• أصل الاسم: كلمة BRIC هي اختصار للأحرف الأولى بالإنجليزية لأسماء الأعضاء المؤسسين الأربعة: البرازيل، روسيا، الهند، والصين.
• التوسع: انضمت جنوب إفريقيا إلى التجمع عام 2011 ليصبح الاسم "BRICS"، ثم توسعت لاحقاً لتضم دولاً جديدة.

أبرز الأهداف
• التعاون الاقتصادي: زيادة حجم التبادل التجاري وتطوير المعاملات بالعملات الوطنية بين الدول الأعضاء.
• تطوير التنمية: إنشاء مؤسسات مالية مستقلة مثل "بنك التنمية الجديد" (New Development Bank) لتمويل مشاريع البنية التحتية.
• تمثيل الجنوب العالمي: تعزيز صوت ومكانة الدول النامية والصاعدة في صنع القرار الاقتصادي والسياسي الدولي.

 

معنى التحالفات :-

مبدأ التحالفات بند أساسي في ضمان سلميّة العلاقة بين دولة و أخرى، و لكنه مع مرور الزمن، تصبح المراجعة ضرورية، لتغير الظروف المحيطة بالعالم من حولنا و من ثم الإقليم من بعده، نظرا لتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية و غيرها .
لا بد من التأكيد على أن هذه التحالفات، ليس بالضرورة أن تكون عسكرية، بل في معظم الأحيان ، الاقتصاد هو القاطرة الرئيسية التي تقود بقية التحالفات فيما بين الأطراف الدولية سواء كانت كبرى أو إقليمية . 
في أغلب الحالات الخيط الذي يربط بين هذه التحالفات هو " المصلحة " و ليست الصداقة أو حتى حجم العداوة ؟! 
بمعنى أن القيمة الأخلاقية ليست في الحسبان أثناء الشروع في عقد التحالف من أي نوع كان .
لأكثر من قرن كانت " الميكيافيلية " أو البراجماتي هي التي يدور حولها رحى السياسة في العالم الغربي ، و زاد على ذلك عند بدء الإستعمار بعض النظريات الحديثة في اخضاع الدول و الشعوب ، ففي أوروبا سادت فكرة " اجمع و تحكم " و في أميركا نظرية " كيسينجر " فرق تسد " و هي لا زالت سارية المفعول رغم مرور أكثر من قرن على تنفيذها ؟!


ماذا عن العالم العربي و الإسلامي؟

لا توجد في هذا الوقت بالغ الخطورة لدى 57 دولة عربية و إسلامية نموذج لتحالف واضح يمكن الإعتماد عليه في الملمات و أوقات الأزمات و الحروب و النزاعات البينية!
فالأطر السياسية القائمة على هيئة منظمة التعاون الإسلامي و جامعة الدول العربية و مجلس التعاون الخليجي ، لم تنشأ على أساس تحالف يقي هذه الدول مصارع السوء ، فلم يتفق الجميع على إنشاء حلف عربي إسلامي كحلف الشمال الأطلس أو حلف اقتصادي كالمجموعة السبع أو حلف أمني كالأعين الخمسة ؟!  
و على جدار حرب أوكرانيا، تستعد بولندا لاستضافة تدريبات عسكرية يشارك فيها نحو 1.5 ألف عسكري من دول "تحالف الراغبين"، بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا، تمهيداً لانتشار محتمل لهم في أوكرانيا الشهر المقبل .(ذا تايمز 17 أكتوبر 2026 )

سبعة عقود.. من الأزمات ؟!

و إذا أخذنا في الاعتبار، عدد الحروب و الأزمات التي مرت بها المنطقة العربية و الشرق الأوسط و دول الخليج العربي بدءا من حرب 67 , ثم حرب أكتوبر 73 نزولا إلى حرب الخليج الأولى بين العراق و إيران ، وصولا إلى غزو العراق للكويت في 1990 ، مرورا بغزو أميركا للعراق في العام 2003 ، و التي لم تزل آثارها بارزة حتى الساعة الراهنة ، و تلت ذلك " الخريف العربي " الذي أطاح  ببعض الأنظمة العربية و فقا لنظرية " الفوضى الخلاقة " لكونداليزا رايس " و لم تزل تلك الفوضى مستمرة ، حتى حانت ساعة الحرب الإثنى عشر يوما الأميركية - الإسرائيلية، على إيران في 2025 ، ثم جاءت الكرة الثانية في 28 فبراير 2026 في " حرب المضيق " التي لم تنته بعد و قد دخلت شهرها الثامن . 
هذه الأوضاع المستمرة ألا تستدعي نوعا ما من التحالف بين الدول المتضررة بشكل مباشر من هذه الأزمة التي لم تقف آثارها السلبية عند الإقليم فحسب،  بل تعدت إلى العالم الأكبر ؟! 
مع ملاحظة، أن هذا التحالف لا علاقة له بالعلاقات الثنائية بين الدول التي تتقاطع مصالحها في و سط هذا المضيق ، بل العكس ، وجود هذه العلاقة و استمرارها يقوي التحالف بسبب التراكم السياسي عبر العقود الطويلة الماضية .

الواقع.. الراهن

يقول علماء السياسة و بعض القادة الذين مارسوا الحكم عن الواقع بأنه : توقع ما لا يتوقع ! 
بمعنى أن ثوابته ، هي في ذاتها متغيراته ، فالوقوف أمامه مشدوهين مشدودي الرقاب ، ليس حلا ، بل حسن التصرف حياله هو المطلوب بعقل رشيد و حكمة عاقلة تتعامل مع جميع الأدوات السياسية المتاحة حتى نتجنب التصعيد و المواجهة ، فإذا وقعت الواقعة فلا بد من تحالف رادع و قوة عسكرية تحول دون امتداد الصراع خارج نطاقها  .
هنا يصبح التحالف أكثر من ضرورة لكبح جماح المتغطرس بالقوة الباطشة و المستهين بوجود تحالف قد تكون قوته أبطش و أكثر إيلاما فيحصل الردع اللازم .

التحالف .. و الهدف الإستراتيجي

أي تحالف بين مجموعة من الدول، حتى يؤتي  ثماره و تظهر نتاجه على المستوى السياسي أو الاقتصادي لا بد أن يكون مستمرا لمدة زمنية طويلة، و إلا صار التحالف شبيها باللجان التنفيذية التي ينفرط  عقدها بمجرد انتهاء مهامها ، و التحالفات ليست كذلك و إلا نزعت منها فاعلية الردع و من ثم العودة إلى نقطة الصفر في معادلة متلازمة الحروب و الأزمات ؟!


المقترحات

في ضوء ما سبق نقترح  ما يلي :-

1. عدم التعامل مع التحالفات باعتبارها الحل الوحيد: ينبغي أن تكون جزءًا من استراتيجية أمنية أوسع، لا بديلًا عن الدبلوماسية أو عن التعاون الإقليمي .

2 . إعطاء الأولوية لمنع التصعيد: من خلال إنشاء قنوات اتصال مباشرة، وتطوير إجراءات موحدة للتعامل مع الحوادث البحرية، والحد من مخاطر سوء الفهم.

3 . تعزيز الدور الإقليمي: عبر تشجيع دول المنطقة على المشاركة في صياغة ترتيبات الأمن البحري، مع احترام سيادة الدول وحقوقها والتزاماتها الدولية.

4 . تفعيل الدبلوماسية المرنة و متعددة الأطراف , بالاستفادة من دور الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المختصة في تسهيل الحوار ودعم المبادرات الفنية والقانونية.

5 . الفصل بين حماية الملاحة وتسوية الخلافات السياسية الأوسع , فالتوافق على إجراءات السلامة البحرية يمكن أن يبدأ حتى عندما تبقى الخلافات الاستراتيجية قائمة.

6 . اعتماد مبدأ التناسب في الإجراءات الدفاعية: بحيث تستجيب التدابير الأمنية للمخاطر الفعلية، وتتجنب الإجراءات غير الضرورية التي قد تؤدي إلى تصعيد غير مقصود .

7 . تطوير آلية دورية لتقييم المخاطر: تشارك فيها الجهات المختصة، وتقدم تقديرات بشأن التهديدات البحرية، ومستويات الاستعداد، وفاعلية إجراءات منع التصعيد.
8 . ربط أي ترتيبات أمنية بأهداف قابلة للقياس: مثل تقليل الحوادث، وتحسين زمن الاستجابة، وزيادة انتظام الاتصالات، وضمان استمرار الملاحة وفقًا للقانون الدولي.


في الختام

إن أزمة مضيق هرمز تضع المجتمعين الإقليمي والدولي أمام معادلة استراتيجية معقدة: كيف يمكن حماية الملاحة الدولية وضمان أمن الطاقة، دون تحويل الوسائل المستخدمة لتحقيق الأمن إلى عوامل تؤدي إلى تفاقم الأزمة؟
التحالفات تستطيع أداء دور مهم في الردع وتنسيق الجهود وتوفير القدرات اللازمة للتعامل مع التهديدات المباشرة. إلا أن فعاليتها تظل مرتبطة بطبيعة أهدافها، وحدود مهامها، ومدى قدرتها على تجنب التصعيد، ووجود قنوات تواصل مع الأطراف الأخرى.
كما أن الاقتصار على الحوار وحده قد لا يكون كافيًا عندما تكون المخاطر فورية أو عندما تغيب الثقة والضمانات العملية. ولذلك، فإن الاختيار الاستراتيجي الأكثر اتزانًا لا يتمثل في المفاضلة المطلقة بين القوة والدبلوماسية، بل في الجمع بينهما ضمن إطار واضح يحدد وظيفة كل منهما وحدودها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحل الأمثل لأزمة مضيق هرمز لا يكمن في إنشاء أكبر تحالف ممكن، ولا في افتراض أن التفاهم السياسي وحده كفيل بإزالة جميع المخاطر، بل في بناء منظومة متعددة المستويات تجمع بين الردع الدفاعي المنضبط، والحوار الإقليمي، والتعاون الدولي، والالتزام بالقانون الدولي.
إن التحالفات قد تكون ضرورة في لحظة الخطر، لكنها لا تصبح أساسًا مستدامًا للأمن إلا إذا اقترنت باستراتيجية سياسية قادرة على تقليل دوافع المواجهة. أما النجاح الحقيقي، فيتمثل في الوصول إلى وضع لا تحتاج فيه الدول إلى رفع مستوى التحالفات لمواجهة كل أزمة جديدة، لأن لديها من القواعد والضمانات وقنوات الاتصال ما يسمح باحتواء الخلافات قبل تحولها إلى صراعات تهدد استقرار المنطقة والعالم.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في النقاش الاستراتيجي هو: هل نقيس نجاح التحالفات بقدرتها على مواجهة الخصوم، أم بقدرتها على تهيئة الظروف التي تجعل المواجهة أقل احتمالًا؟
لعل الإجابة عن هذا السؤال تمثل المدخل الحقيقي للانتقال من إدارة أزمة مضيق هرمز إلى بناء أمن بحري إقليمي أكثر استدامة.