عبد الفتاح موسي يكتب : مزبلة التاريخ
التاريخ ليس حكاياتٍ تُروى للتسلية، ولا سطورًا تُكتب ثم تُنسى،التاريخ محكمة لا تُصدر أحكامها سريعًا، لكنها لا تُخطئ.
فيه من مرّ فترك سطرًا، ومن عاش فكتب صفحات، ومن ثقل أثره حتى صار كتابًا يُقرأ وحده.
لكن السؤال الحقيقي ليس كم كُتب عنك؟
بل: كيف كُتب اسمك؟
أن تدخل التاريخ يا عزيزي لا يعني أن تكون عالمًا عبقريًا،
ولا قائدًا عظيمًا، ولا صاحب نصرٍ مدوٍ.
أحيانًا… يكفي أن تكون إنسانًا.
أن تعدل بين الناس، أن تُتقن عملك دون ضجيج، أن تربي أبناءً صالحين، فيكبرون وهم يذكرونك بخير، فتُكتب في تاريخهم
كان لنا أب… فاستقمنا.
كلنا نعيش أحداثًا، وكل فعل مهما بدا صغيرًا يترك أثرًا،
والأثر لا يضيع.
معلمٌ مرّ في حياتك لم يرفع صوته كثيرًا، لكنه زرع فيك قيمة فصار اسمه حيًا دون أن تدري.
ومديرٌ في عملك خاف الله في قراره فعلّمك الالتزام،
فكتب نفسه في ذاكرتك دون أن يقصد.
هذا هو التاريخ الحقيقي…
ذاكرة الأثر، لا صخب الادّعاء.
أما مزبلة التاريخ…
فهي ليست مكانًا،
بل مصير.
مصير من عاش بلا أثر وجاء الدنيا ظالمًا، باغيًا يستتر خلف كلماتٍ جميلة، ويظن أن الناس لا ترى.
يبحث عن مصلحته فقط ويهدم كل ما يمرّ به،
حتى إذا رحل… لم يُفتقد،
بل تنفّس الناس الصعداء، وطووا صفحته سريعًا،
كأنهم يتخلّصون من شيءٍ ثقيل طال انتظاره.
هناك…
لا يُلعن الاسم، ولا يُذكر،
يُمحى.
ولهذا، يا عزيزي،
نحن لا نحتاج أن نسأل كيف سيذكرنا التاريخ؟
بل أن نسأل كل يوم هل ما أفعله الآن يستحق أن يُروى؟
فإما أن نُكتب سطرًا من نور في ذاكرة من بعدنا، وإما أن نُطوى في صمت،
ونُلقى حيث لا ذكْر ولا حنين، ولا حتى لعنات…
في مزبلة التاريخ.