الثلاثاء 10 فبراير 2026

اين تتجه بوصلة الهيدروجين خلال 2026؟..خبير أسواق الغاز والهيدروجين يجيب

باور بريس

 رؤية وتحليل م وائل حامد.. خبير أسواق الغاز والهيدروجين 
الرسائل الرئيسية للمقال

1. شهد عام 2025 إلغاء وتأجيل عشرات مشاريع الهيدروجين عالميًا، بخسارة تتجاوز 5.3 ملايين طن سنويًا من الطاقة الإنتاجية المخططة.

2. هزة أرضية" ضربت أسواقاً كبرى من أستراليا إلى الولايات المتحدة، وصولاً إلى مشاريع طموحة في المنطقة العربية كعُمان وموريتانيا.

3. من أصل نحو 1750 مشروعًا مُعلنًا، وصل أكثر من 500 مشروع إلى قرار الاستثمار النهائي باستثمارات مؤكدة تفوق 110 مليارات دولار.

خلفية المشهد

شهد عام 2025 موجة إلغاءات وتأجيلات واسعة لعشرات المشاريع المعلنة من الهيدروجين. حيث اصطدم القطاع الوليد بجدار الواقع المتمثل في ارتفاع التكاليف الرأسمالية (CAPEX)، وتحديات التمويل، وضبابية الطلب النهائي. هذه الموجة لم تكن مجرد أرقام للرصد والإحصاء، بل كانت أشبه بـ"هزة أرضية" ضربت أسواقاً كبرى من أستراليا إلى الولايات المتحدة، وصولاً إلى مشاريع طموحة في المنطقة العربية كعُمان وموريتانيا.

لغة الأرقام: المشاريع الملغاة عدداً وقدرة إنتاجية
-------------------------------------------------
لفهم ما إذا كان هذا "تصحيحاً للمسار" أم "بداية انهيار"، يجب أن نضع المشاريع الملغاة والمؤجلة في كفة، والمشاريع المؤكدة في كفة أخرى. وكلاهما يقع ضمن النطاق الأشمل وهو عدد المشاريع المعلنة عالمياً. فأي مشروع ينطلق في بدايته "كفكرة" يتوافق عليها المستثمرون والحكومات ومزودو التقنية والممولون، ثم ينتقل من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التأكيد (اتخاذ قرار الاستثمار النهائي) وصولاً إلى التشغيل التجاري.
وبلغة الأرقام، فقد خسر العالم من المشاريع الملغاة أو المؤجلة أكثر من 5.3 ملايين طن سنوياً من الطاقة الإنتاجية المخططة للهيدروجين منخفض الكربون، وهو رقم يعادل عدة أضعاف القدرة العالمية العاملة حالياً (قيد التشغيل) للهيدروجين النظيف. كما انخفضت القدرة المعلنة لمشاريع 2030 من نحو 49 مليون طن سنوياً إلى نحو 37 مليون طن سنوياً، نتيجة موجة الإلغاءات والتأجيلات، ما يعكس اتساع فجوة التنفيذ مقارنة بالطموحات السياسية والاستثمارية. حيث تجاوز عدد المشاريع المتعثرة 60 مشروعاً خلال عام 2025 وحده.
ومن ثم، فإن الانطباع الأولي من موجة الإلغاء يشير إلى أن الزخم العالمي حول الهيدروجين بدأ يغير مساره. لكن هل يعني ذلك بداية انهيار أم مجرد تصحيح لمسار كان مبالغاً في تفاؤله؟

المشاريع المؤكدة: الميزان الآخر في المعادلة
---------------------------------------------
يظهر الجانب الآخر من المعادلة صموداً ملموساً، حيث تجاوز عدد المشاريع المؤكدة عالمياً 500 مشروع، وهي وصلت بالفعل إلى مرحلة الاستثمار النهائي أو البناء أو التشغيل التجريبي، بإجمالي استثمارات ملتزم بها تتجاوز 110 مليار دولار. أي أن العالم قد التزم فعلياً بضخ هذا المبلغ في اقتصاد الهيدروجين من خلال هذه المشاريع.
وتشير التقديرات إلى أن القدرة الإنتاجية المؤكدة حالياً من هذه المشاريع تتجاوز 6 ملايين طن سنوياً من الهيدروجين النظيف، مع إمكانية ارتفاعها إلى نطاق 9–14 مليون طن سنوياً بحلول 2030 في حال تحقق الطلب والدعم السياسي والمالي. إلا أن القدرة الإنتاجية المؤكدة تمثل أقل من 10% من إجمالي المشاريع المعلنة عالمياً المقدر بنحو 1750 مشروع، ما يعكس فجوة تنفيذية كبيرة بين الطموحات والسياسات من جهة، والواقع التجاري والاستثماري من جهة أخرى.

قراءة تحليلية: تصحيح أم بداية انهيار؟
--------------------------------------
عند وضع هذه الأرقام في سياق واحد، يتضح أن ما يشهده قطاع الهيدروجين ليس انهياراً كاملاً بقدر ما هو مرحلة تصحيح ولكن "حاد" للدورة الاستثمارية، شبيهة بما شهدته صناعات الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة في مراحلها المبكرة. فنحن ألان أمام كفتين الأولى بها عشرات المشاريغ الملغاة بطاقة إجمالية 5.3 ملايين طن سنويا، والأخرى بها مشاريع مؤكدة بطاقة إجمالية تتجاوز الـ 6 ملايين طن سنوياً.
كما يجب التنبيه إلى أن الإعلانات الأولية في بداية الزخم خلقت "فقاعة مشاريع"، بينما بدأت الأسواق الآن في فرز المشاريع القابلة للتنفيذ تجارياً من تلك التي كانت مدفوعة بأهداف سياسية أو استراتيجيات تسويقية.
لكن في الوقت نفسه، فإن إلغاء مشاريع بعد بلوغها مراحل متقدمة، وانسحاب شركات نفط وغاز كبرى، يمثل إشارة إنذار حول التحديات الهيكلية، خاصة في ظل تنافسية البدائل الأرخص مثل الغاز الطبيعي وغياب عقود الشراء طويلة الأجل.

خاتمة
------
لا يمكن توصيف ما حدث في عام 2025 لا كـ"انهيار" كامل لاقتصاد الهيدروجين، ولا كـ"تصحيح طبيعي" بسيط للدورة الاستثمارية. فالواقع يقع في منطقة وسطى أكثر تعقيداً. ما نشهده هو تصحيح بنيوي عميق يعيد تشكيل القطاع من مرحلة الطموح السياسي والإعلاني إلى مرحلة الانضباط الاقتصادي والتجاري، حيث لم يعد كافياً امتلاك رؤية استراتيجية أو دعم حكومي، بل باتت الجدوى المالية، وضمانات الطلب، وسلاسل القيمة المتكاملة شروطاً حاسمة للاستمرار.

سيكون بتقديري عام 2026 هو الاختبار الحقيقي. فإما أن ينشأ قطاع أكثر نضجاً واستدامة، أو يستمر الانكماش الانتقائي. وهو ما سيتضح عبر رصد أين ستتجه موجة التحول من مشاريع معلنة هل  إلى كفة المشاريع المؤكدة أم إلى كفة المشاريع الملغاة.