الأربعاء 11 مارس 2026

طارق رضوان يكتب : حرب الطاقة المقدسة ( 2 )

باور بريس

 

الامبرطور غاضب . ويشعر بالخطر . وعندما تتوتر اعصاب الامبراطورية فانها تعلن حربها الشرسة حفاظا على وجودها . لا حليف ولا صديق . بل هناك مصالح عليا هى التى تتحكم . فى احدى محاضرات الفريق عبد المنعم رياض عام 1968 قال الرجل ذو العلم الوافر . ان الحرب القادمة فى الشرق الاوسط ستكون حرب الطاقة وستتجه الولايات المتحدة الامريكية الى العراق مع بداية القرن القادم . وهو ما حدث بالفعل باحتلال الولايات المتحدة الامريكية للعراق عام 2003 . ومنذ ذلك التاريخ بدأت الولايات المتحدة الامريكية تفرد مظلة الحماية الكاملة على منابع الطاقة فى العالم لتعطيل النمو الصينى الغير منتج للطاقة والذى يعتمد بشكل كامل على استيراد النفط والغاز من الدول الاخرى . وكان المشروع الاكبر للولايات المتحدة هو مشروع خط نابكو .

فخط «نابوكو» هو مبادرة أوروبية مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية تهدف لكسر الهيمنة الروسية على سوق الغاز في أوروبا، بدأت عام 2002، من خلال مد أنبوب لنقل الغاز من منابعه في آسيا الوسطى والقوقاز باتجاه الأسواق الأوروبية، بعيدًا عن الأراضي الروسية . فخلال أزمة الغاز، التي نشبت بين روسيا وأوكرانيا في شتاء عام 2006، والتي أحدثت ضجة إعلامية وسياسية في أوروبا، شاع على نحو واسع مصطلح الاستخدام السياسي للغاز، وأن روسيا لديها سلاح فعّال للضغط على الغرب، وبالتالي لا بد من تقليص الاعتماد الأوروبي على الوقود الأزرق الروسي .على خلفية ذلك التطوّر، قررت المفوضية الأوروبية تبني مشروع نقل الغاز من آسيا الوسطى والقوقاز إلى أوروبا عبر تركيا، من خلال خط أنابيب عرف بخط «نابوكو».
وعلى الرغم من ذلك، فإن ما حدث حتى الآن من تعثّر في بناء هذا الخط، كشف عن انقسام أوروبي حيال روسيا، وقد تأكد هذا الانقسام في دعم المفوضية الأوروبية، وعدد من أقطار أوروبا، لمشروع نابوكو، بينما ساهمت دول أوروبية أخرى، في مقدمتها إيطاليا، في خط «السيل الجنوبي»، وتبنّت ألمانيا خط «السيل الشمالي» لتأمين مصالحها الغازية «مع الروس». يقضي مشروع «نابوكو»، بمدّ خط أنابيب ينطلق من ثلاث دول في آسيا الوسطى، هي كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، ثم يمتد غربًا في قاع بحر قزوين حتى أذربيجان، ومنها إلى جورجيا، ثم تركيا. ويواصل الخط بعد ذلك مساره إلى بلغاريا ورومانيا والمجر والنمسا حيث محطات التجميع والتوزيع .

في يونيه / حزيران 2011، جرى توقيع اتفاقية عبور خط نابوكو في أراضي الدول الأوروبية الأربع سابقة الذكر، إضافة إلى تركيا.
وأعلنت كل من مصر والعراق عزمهما على المشاركة في المشروع الذي أعلنت إيران أيضًا عن رغبتها في الانضمام إليه.
وفي اغسطس / آب من العام ذاته، أعلن المسؤولون عن نابوكو، بأن عملية بناء الخط سوف تبدأ عام 2013، وأن أول شحنة غاز سوف تتدفق فيه العام 2017، وستكون من حقل غاز شاه دينز في أذربيجان، ما يعني أن دول آسيا الوسطى لن تكون ضمن الانطلاقة الأولى لمشروع نابوكو.
وتبلغ الطاقة التمريرية الكليّة المفترضة لهذا الخط 31 مليار متر مكعب سنويًا، وهو الأكبر بين ثلاثة خطوط من المقرر أن تصدّر الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى والقوقاز، وربما الشرق الأوسط، إلى الأسواق الأوروبية عبر تركيا .
وكان قد برز مشروع كبير لنقل الغاز من تركمانستان إلى كل من أفغانستان وباكستان والهند، عبر خط ( تابى ) (TAPI) الذي يحظى بدعم الولايات المتحدة، باعتباره بديلًا عن مشروع مماثل كانت إيران تعتزم إقامته مع الدول الثلاث.
وفي إطار الخطوط الآسيوية أيضًا، خط أنابيب الغاز بين الصين وآسيا الوسطى، الذي يبلغ طوله 1833 كلم. وسيتيح هذا الخط تصدير 40 مليار متر مكعّب من الغاز الطبيعي إلى الصين على مدى 30 عامًا.
ففي الحادي عشر من ديسمبر / كانون الأول 1997، وافقت الدول الصناعية الكبرى، في كيوتو - اليابان، على اتفاقية خفض الانبعاث الكلّي للغازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون إلحاق ضرر بالنظام المناخي العالمي، واتجهت الدول الكبرى إلى الاعتماد بقوة على الطاقة المتولدة من الغاز بدلًا من النفط .
ولكن، وعلى عكس أوروبا التي اتجهت نحو الزيادة في حجم وارداتها من الغاز، فان الولايات المتحدة الأمريكية رفضت أن توقّع على الاتفاقية، بل سعت لمنع أوروبا من تقييم وارداتها الغازيّة باليورو بدلًا من الدولار، حتى لا يتحوّل هذا الأخير إلى مجرد عملة عادية.
ومنذ ذلك التاريخ بدأت «الحرب المقدّسة» من أجل الغاز، وبدأت الثورات «الملوّنة» عام 2004 تجتاح بعض بلدان أوروبا، بينما اجتاحت روسيا أبخازيا لاحتكار تصدير الغاز إلى أوروبا (30% من الاستهلاك الأوروبي)، وذلك عبر خطوط أنابيب أوكرانيا وبيلاروسيا. وفي الجانب الآخر سعت الولايات المتحدة إلى جلب الغاز من تركمانستان وآسيا الوسطى إلى أوروبا عبر مشروع خط أنابيب «نابوكو».
وفى عام 2009 وقّعت شركة «غاز بروم» الروسية اتفاقًا مع الدولة النيجيرية صاحبة تاسع أكبر احتياطي من الغاز في العالم، بقيمة 2,5 مليار دولار لبناء مصافي غاز وأنابيب نقل ومحطات توليد طاقة فيها، وذلك بهدف تصدير الغاز نحو أوروبا بواسطة خط أنابيب يمرّ في ليبيا وصولًا إلى أوروبا عبر إيطاليا التي وافق رئيس وزرائها (برلسكوني) على بيع 50 في المئة من شركة «إيني» البترولية الإيطالية لروسيا، والمفارقة أنه تم عزله بعد ذلك.

لم يكن من قبيل «الصدف»، أن تبدأ جماعة «بوكو حرام» الإسلامية المتطرّفة في نيجيريا الشمالية أولى عملياتها الارهابية في السنة ذاتها التي وقّعت فيها «غاز بروم» عقدها مع الحكومة النيجيرية، وهو ما جعل أمر إنشاء خط الأنابيب هذا مستحيلًا.
كما أن طرد الرئيس بن علي رئيس تونس السابق، وإسقاط النظام الليبي وعزل برلسكوني قد أغلق خط «أفريكان ستريم» على روسيا، وكان رد روسيا بإغلاق جورجيا في وجه أميركا، التي أغلقت نيجيريا في وجه الروس. فالولايات المتحدة تعزف «مقطوعة نابوكو» هذا المشروع الطموح الذي يرمي إلى استخراج الغاز من رابع أكبر إحتياطي في العالم (تركمانستان)، وتصديره مباشرة نحو أوروبا عبر حوض بحر قزوين من دون المرور عبر روسيا، وهي استراتيجية حيوية لحلف شمال الأطلسي الذي يريد تحرير الجمهوريات السوفياتية السابقة وأوروبا من النفوذ الروسي.