طارق رضوان يكتب: حرب الطاقة المقدسة ( 4 )
لن تكون حرب ايران الاخيرة . بل هى بداية لصراع طويل طويل لن يتوقف ولن ينتهى . الصراع الامريكى الصينى على الهيمنة فى اشرس مراحله . الولايات المتحدة بما لديها من موارد ضخمة ونفوذ كبير فى العالم تعرقل التمدد الصينى وتضربه فى مقتل على عدة محاور. الاولى : خنق التنين الصينى عن طريق السيطرة على الممرات العالمية على مستوى العالم الثانية : السيطرة على جميع الموارد الطبيعية التى تستخدمها الصين فى تنميتها الاقتصادية المتمثلة فى الصناعة
الثالثة : هو ضرب كل حليف صينى كما فى حالة ايران او اشغاله بحروب طويلة كما هو الحال مع روسيا .
وفى منتصف الصراع الخاص بالطاقة يقف الشرق الاوسط لاعبا اساسيا فى خطة الولايات المتحدة الامريكية يدفع الثمن غاليا من موارده وماله وناسه . فسنوات النفط فى منطقة الخليج العربى طويلة ودامية . جعلت منه مجتمعا جديدا . يعيش فى رفاهية لا مثيل لها عبر عصور تلك المنطقة . وتدفق الاموال الغزيرة على خزائنه جعلته فى مصاف الدول الاكثر ثراءا .
كانت الدنيا كلها تحوم حوله . حول هذا الكنز المدفون فى اعماق الرمال الصحراوية . وحيكت المؤامرات وصنعت الحروب . ولعبت اجهزة الاستخبارات الغربية لعبتها القذرة للاستيلاء على هذا الكنز . ودبرت الازمات فى تلك المنطقة الحساسة .
فكل ازمة لها اجواؤها ولها اصواتها ولها الوانها . بل ولها رائحتها ومذاقها الذى يبقى فى الحواس ويستعيدها حية من مخزونات الذاكرة مهما تباعدت السنون . ينطبق ذلك على على ازمات العالم الكبرى , كما ينطبق على ازمات العرب . فأزمة ميونخ – 1938 – عشية الحرب العالمية الثانية تستعيدها الى الذاكرة صورة نيفل تشمبرلين يحمل مظلته الشهيرة فى يده ويهبط من طائرة ذات اجنحة بعد لقاء مع هتلر وموسولينى ليقول لمنتظريه فى مطار كرويدون . جئتكم بالسلام فى عصرنا.
وازمة بيرل هاربر – 1941 – تستعيدها الى الذاكرة صورة الوفد اليابانى ذاهبا للتفاوض مع وزير الخارجية الامريكى فى نفس الوقت الذى كانت فيه اساطيل الادميرال ياماموتو تطلق طوربيداتها على الاسطول الامريكى فى المحيط الهادى وتغرق اكثر من نصفه فى ميناء بيرل هاربر بجزر هاواى . وازمة الصواريخ السوفيتية فى كوبا – 1961 – تستعيدها الذاكرة صورة الرئيس الامريكى جون كيندى يوجه انذاره الى الاتحاد السوفيتى عند منتصف الليل . والامم المتحدة المجتمعة فى نيويورك تائهة لا تدرى ماذا تفعل بينما المفاوضات الحقيقية دائرة فى احد مطاعم واشنطن الصغيرة لان كنيدى يؤمن بنظرية ان الحكمة الذهبية فى علاج الازمات هى ان يترك كل طرف لخصمه سبيلا الى التراجع بكرامة وكبرياء . ونفس الشئ فى ازمات العرب . فمعركة السويس تستعيدها الذاكرة صورة كتل عربية تموج بها المدن والعواصم من المحيط الى الخليج ونشيد - الله اكبر - تتجاوب اصداؤه على اتساع نفس المنطقة. ومعركة 1967 تستعيدها الذاكرة مشاعر ذلك الصيف الساخن من تلك السنة وطعم المرارة فى الحلوق . ثم ذلك الاحساس العميق بالجرح مع الاصرار على ان ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة . ومعركة اكتوبر يمكن ان تستعيدها مشاعر ذلك الاحساس الطاغى بالفرح عقب الساعات التى ذاع فيها ان المعركة بدأت . وان القوات على الجبهة المصرية وعلى الجبهة السورية انطلقت الى مهامها الاولى . ونجحت فى تحقيقها . كل ازمة لها اذن اجواؤها واصواتها والوانها بل ورائحتها ومذاقها . والى جانب ذلك فان كل ازمة عاشها العالم العربى فى تاريخه الحديث اتسمت بموقف شعبى جياش يعرف على الاقل اين موقعه . ويعرف دوره فى هذا الموقع سواء كانت وسائل هذا الدور متاحة له او محجوبة عنه . ويعرف ولو بشكل عام ما يريد – لكن ازمة انتهاء النفط من الخليج العربى هى تجربة من نوع مختلف وان كان متوقعا . امة اخذتها المفاجات ثم افزعتها التداعيات ثم وحدتها الازمة . وهناك عالم بأكمله يتفرج . وبعض قواه النافذة لا تطفئ نارا . ولكن تزيد النار اشتعالا . لتلهو بمحنة الامة . وتنفذ من خلالها الى اقتصادها وسيادتها الى تحقيق مطالبها واطماعها . فلم يكن هناك من هو مستعد لتلك اللحظة . لحظة خروج اخر برميل نفط الى الموانئ الخليجية للتصدير . ليبدأ عصر جديد فى منطقة الخليج . كأن اغرب ما فى الامر ان الازمة الطاحنة المقبلة على الخليج التى امسكت بخناق الامة انقضت فوق راسها على غير انتظار . فقد كان مجرى الحوادث فى العالم يشير لفترة من السكون قادمة محكومة بضرورات وحقائق وافدة ومستجدة على كل الجبهات تبين جميعها ان بؤر التوتر تتباعد عن الشرق الاوسط مسافرة الى مواقع اخرى فى العالم بعدما عانت المنطقة من ثورات الربيع العربى حطت اوزارها فى مصر بعد ثورة يونيه – 2013 – بانتهاء مخطط اخونة العالم العربى . ففى الوقت الذى احس فيه كثيرون ان هناك انتقالا من مرحلة الى اخرى فى التاريخ السياسى العالمى . لم يكن هناك من وصل بالقدر الكافى الى توصيف هذا الجديد او استقراء قواعده .
وبالعكس كانت هناك اطراف كثيرة مازالت تتخذ فى تفكيرها وفى تصرفاتها نفس القواعد والقوالب القديمة رغم ان الحديث عن الوافد وعن الطارئ كان يجرى بغير تدقيق على الالسنة. كان العالم معبأ بنوع من الفوران تجاه المستجدات المتوالية على الساحة العالمية . خصوصا فى منطقة الشرق الاوسط . ولم ينتبه كثيرون بالقدر الكافى الى سحب تتجمع فى افاق الخليج العربى وتنذر بامطار غزيرة من الازمات الناتجة عن انتهاء زمن النفط فى المنطقة . وعند بداية الازمة ظهرت ازمة جديدة . كان الخليج العربى مشاركا فيها وهى ازمة انابيب الغاز التى تمتد عبر اراضيه عابرة او متخذة من بعض دولها مستخرجا للغاز الطبيعى كما هو الحال فى دولة قطر .
وبسبب ذلك نشبت الحروب فى منطقة الهلال الخصيب بل وهناك دول فى طريقها للزوال . وهناك دول فى طريقها الى النشؤ كدولة الاكراد . كما ظهر نبت شيطانى المسمى بداعش . يعبث بخريطة وخيرات المنطقة كما يحلو له . حتى جاء موعد الازمة الحقيقية .
ازمة انتهاء النفط . وهى ازمة لا يصح فيها كثرة الكلام والوعود التى تخرج عن مؤتمرات واجتماعات فخمة .
لقد بدا ان الحاح اوضاع مستجدة فى عالم متغير دفعنا على عجل نحو حركة لم تحدد لنفسها اتجاها . بل الاغلب انها اندفعت قبل ان تعرف لنفسها موقعا تتحرك منه . ونتيجة ان الكلام لم يزد فى معظم الاحيان عن ان يكون كلاما ساكتا – كما يقول التعبير السودانى الشائع – وبمعنى انه كلام لا يقول شيئا لانه لا يدفع الى فكر او فعل . ثم ان كثرة الكلام بعصبية الحركة لذاتها جعلت الكلام يتحول فى اوطاننا الى صناعة معلبات فيها وصفة مستخلصة من اعشاب الفلسفة والفكر والسياسة والاعلام والاعلان معجون كله ببعضه . ثم اصبحت هذه المعلبات صناعة شبة ثقيلة حتى ان العالم العربى يشهد كل يوم ما بين 250 الى 350 اجتماع فيها المؤتمر وفيها الندوة وفيها حلقة النقاش وفيها دائرة الحوار وفيها ورشة العمل وفيها جلسة استشارة العقول والتقدير المعتمد – من معاهد واشنطون - ان تكلفة كل مناسبة من هذه المناسبات حوالى ثلاثة الاف دولار وفى بعض المناسبات اكثر . وبعضها اقل . لكن المتوسط يصل باجمالى الحساب الى مليون دولار يوميا يدفعها العالم العربى لكى يتكلم مع نفسه .
وذلك غير كلامه ايضا مع نفسه فى وسائل اعلامه المتعددة من صحافة واذاعة وتليفزيون . ولو اجرينا حسابا له هو الاخر لوجدنا التكلفة فادحة . ثم انها فى بعض ممارساتها لعقل الانسان لا يقل مأسوية عن انتهاك حقوقه . هناك خطوة ممكنة فى مستقبل ممكن . فمن متابعة احوال العالم العربى فى الفترة الاخيرة ان الامة مهددة بالغرق فى بحر من الكلام . لا يقول شيئا ولا يحرك الى فكر او فعل . فقد آن الاوان لنشارك جميعا فى دعوة لاستنهاض عوامل القوة الباقية او الكامنة فى عزم الامة . كى تكرس جهدها لهدف واحد . هو العمل على تثبيت وعيها بذاتها وبمستقبلها . واستعادة اقصى الممكن من ارادتها بعد ان جرى التركيز ومنذ اكثر من عقود على اضعافها وتفكيك روابطها . الكلام فى ازمة الخليج القادمة لا يفيد ولا يجدى . كما ان معالجة الكوارث لا تأتى بالحناجر المشدودة والصوت العالى والامال المتعلقة بخيال اصحابها . نهاية النفط فى الخليج لا يمكن ان تحل بالفكر العربى المعتاد . فالكارثة لن تكوى نارها اصحابها فقط .
بل ستنتشر النار فى جيرانها ممن لهم مصالح عديدة متشابكة مع دول الخليج . هناك بالطبع من هو شامت فى ما سوف يجرى فى الخليج . وهناك ما هو منتقم من دول الجوار . لكن الحقيقة التى لابد ان يعرفها الجميع ان ازمة النفط فى الخليج ستحرق الجميع .
لو سقط الخليج فلن يسقط وحده . بل كل العالم العربى سيسقط معه . ازمة الخليج لا تخص اصحابها فقط . بل تخص كل العالم العربى . كل فرد مهما كان بعده عن الازمة سينكوى بنار السقوط . وهناك بالطبع مساعى من قادة الخليج لتجاوز الكارثة ووضع خطط لمستقبل ما بعض النفط . لكنها فى نهاية الامر لا تغنى ولا تسمن من جوع . فالامة مقبلة على تاريخ جديد. صعب وقاسى فى عالم لا يعرف الرحمة .
فكم من دول سقطت ولم يمد لها احدا يد المساعدة . وكم من انظمة وطنية سقطت وسط حالة من المشاهدة خالية من التعاطف . ازمة الخليج لن يحلها الا اصحابها ممن يكتوون بنارها . ولن تحل بالوعود الوردية . بل بالعلم والارادة وحسن الادارة .
والعالم العربى الان ممتلئ بالعقول الجبارة التى تستطيع مخلصة ادارة الازمات . والا فالسقوط قادم لا محالة . فتاريخ حرب الطاقة المقدسة قديم منذ القرن التاسع عشر ألتقط خيطه الداهية السياسية ونستون تشرشل الذى احيا الامبراطورية البريطانية من جديد بدخول عصر الصناعة بتبديل الفحم بالنفط يضخ فى مصانع الامبراطورية وتلك قصة اخرى ...