السبت 10 أكتوبر 2026

دكتور عبد الله العوضي يكتب: مفاهيم بادت.. ما سادت !

باور بريس

 

يعيش العالم العربي بعد ' الربيع' المشؤوم، أزمة كبرى في المفاهيم من بعد أن نزعت الفرقة بينهم وبين إخوتهم في الدين والتاريخ.
أعود بكم قليلا إلى المرحلة الفاصلة بين سقوط ' الرجل المريض' وقد ساعد العرب أنفسهم في الإجهاز عليه والإسراع في تشييع جنازته ودفنه على أساس الحصول على وعد من دول الإستعمار لتدشين خلافة عربية خالصة من دون ' العثمانيين '.
اتجه  العرب نحو تكوين دولهم القطرية على أساس القومية العربية بعد إخراج الإسلام  منها كردة فعل على بعض ممارسات  سلاطين العثمانيين تجاه العرب في الفترة الأخيرة من حكمهم للعالم العربي تحت مظلة الإسلام ،  مما ساهم في  اتخاذ قرار الفصل عن الجسد المريض.
ففي نفس الوقت كانت أنظار النخب العربية متجهة نحو الحضارة الغربية التي بدأت تبث شعاعها على العالم بمختلف شعوبه وثقافاته.
فمنبهر بها ومنتقد  ومن أراد الإمساك بعصا تلك الحضارة الباهرة من الوسط اَي بمعنى الإقتباس من بعض أفكارها التنويرية ومنتجاتها التي تنفع البشرية كافة والعرب ليسوا استثناء من ذلك.
بدأ البعض يدعوا الأنظمة إلى السماح لتشكيل الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها الفكرية ، من قومية ودينية وبعثية وإشتراكية وشيوعية وماركسية ومذهبية كذلك، كل هذا من أجل السير على خطى الغرب ونهجه في إدارة الحكم و تسيير الشأن العام في الدول والمجتمعات.
وكان حصاد كل ذلك بعد قرابة قرن من خوض هذه التجربة سلة مليئة بشتى أشواك الدكتاتوريات التي مارست كل أنواع الفساد في المجتمع تحت ' يافطات' ناعمة ، لم تنعم على المجتمعات العربية غير المزيد من الفقر  والعودة إلى أمية الحرف والفكر من جديد وإن انتشرت في أروقتها الملايين من أجهزة الحاسب الآلي.
فحل ‘ الربيع العربي ' كالصاعقة على رؤوس الأشهاد بدفع من ' الإسلام السياسي ' ليتصدر المشهد في مصر قلب الأمة ونبضها وتونس الخضراء عبر الأزمنة وليبيا التي لم يعمرها ' الكتاب الأخضر ' وسوريا حاضرة الأمويين وحاضنة كل حضارات الكون وعراق العباسيين التي ذهبت بسيرتها الركبان ولحق باليمن لوثة  ' الحوثيين ' التي أمدتها فارس بالنيران .
ومال وسط هذا الطوفان الميزان وانحرفت البوصلة لعودة  الأوطان التي تاهت في عجاف سني هذا ' الربيع' الذي يهدف أساسا إلى تدمير البقية الباقية من شيء اسمه وطن  .
لقد اتفق نخبة في بداية القرن ونهايته على 'الكفر' بنعمة الديمقراطية التي غدت زيفا انطلى عليهم سنين عددا ، وعادوا إلى ' الإيمان ' بحكم العسكر رغم كرههم الشديد له طوال ذات القرن.
خلال مئة عام لم يتمكن العالم العربي بعد  انعتاقه من ربقة الخلافة العثمانية واستقلاله من نير الإستعمار الغربي، وتجريب جميع الأفكار في بناء أنظمته، إلا أنه لم يتوصل إلى صيغة للحكم تقوده إلى الحكم الرشيد.
وهو ما لا يمكن شراؤه ولا اقتباسه ولا استيراده من أي دولة متقدمة لأنها ليست بضاعة ولا تقنية، فهي صبغة وطنية تنقذ البقية العربية من هجمة الإسلام السياسي العابر للأوطان.
منذ اختراق ' الربيع العربي' جدر الأنظمة العربية  و إحراق المكتسبات وإن كانت متواضعة ، فلم يلتفت أحد لسد هذا الفراغ السياسي الذي قفز فيه الإسلام السياسي في ساعة غفلة من خارج الزمن لملئها فأغرقته  !