الجمعة 13 فبراير 2026

دكتور عبد الله العوضي يكتب:السلام هدنة مع الحياة البداية.. مع آدم

باور بريس

 

السلام مطلب إلهي وغاية أزلية، أما الحرب فهي مناقضة لهذا المطلب الرباني الأزلي.
منذ بداية الخليقة، عندما خلق الله سيدنا وأبانا آدم، عليه السلام، طَلب منه خالقُه سبحانه وتعالى أن ينطق أول كلمة في حياته وهي «السلام». عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لمّا خلق الله آدم، قال: اذهب، فسلم على أولئك، نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيّونك، فإنها تحيتك، وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله» أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد في المسند.
علَّم الله آدم الأسماءَ كلَّها، وعلى رأسها «السلام»، هو الله «السلام المؤمن المهيمن..». إنه اسم، ولكنه في وجه من وجوهه فعل، لقد أسبغ عليه من اسمه، ونحن مأمورون أن نتبع ذكره بـ«عليه السلام».

حرب  .. ليس من أسماء الله 

«ولله الأسماء الحسنى، فادعوه بها»، وليس من أسمائه «الحرب». وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم، إذا جاءه رجلٌ وسأل عن اسمه، إن كان حرباً بدله له بـ«سلم»، وإن كان «صعباً» قال له: بل أنت «سهل».

مجرد .. إنسان 
 ومن تجارب الأمم في القرن السابع عشر في أوروبا، نستمع إلى هذا الحوار الهادئ والهادف بين زوجة أحد بارونات القهوة وزوجها.
قالت الزوجة: «عشنا حياةً كالملوك، فلنجرب الموتَ كالفقراء. سلحنا أبناءَنا بالتعليم والتزويج، لن يحتاجوا القهوةَ بعد اليوم. لا تزال هذه الأرض والمزرعة ملكاً لنا، لنستمتع بهوائها ومائها كما لو كان مصيفاً. يكفينا ذلك. لقد تعودتَ أن تكون سيداً، جاء الوقت لتقتنع بأنك مجرد إنسان تسعده القناعة والسلام الداخلي. أحياناً نحتاج إلى هدنةٍ مع الحياة، لا هزيمة فيها، ولا انسحاب فقط استراحة مُحارب.. نركن إلى الهدوء، نغلق الأبواب خلف ضجيج التوقّعات، ونجلس مع أنفسنا بصمتٍ مُحِب.
ليس علينا أن نحارب كلّ شيء دائماً، فبعضُ المعارك تُنهكنا أكثر مما تُثمر. في التوقّف حكمة، وفي التقبّل راحة، وفي التنفّس العميق بدايةٌ جديدة. حين نختار الهدنةَ لا يعني ذلك ضعفاً، بل وعياً بأنّ السلام أحياناً أقوى مِن الصراع. لنتعلّم أن نُحبّ الحياةَ كما هي، لا كما نريدها أن تكون، فهنا يكمنُ جمالُها الحقيقي. فلنمنح أرواحَنا لحظةَ سلام، لعلّنا نعودُ أقوى، وألطف، وأكثرَ اتّزاناً»


سلام .. الأندلس 

في لحظتنا الراهنة، كم نحن بحاجة إلى نموذج السلام في الأندلس؛ فعندما دخل المسلمون قرطبة التجأ كبراؤها وحرسُها إلى دير يعصمهم من العدو، ولزموه ثلاثةَ أشهر محاصرين، حتى إذا انتهى أمرهم إلى التسليم بقيت المدينةُ بأيدي اليهود الذين أثبتوا صدق إخلاصهم للمسلمين، فنالوا عطفَهم ورعايتَهم، ونظر العرب إليهم نظرتَهم إلى الصديق، فلم يضطهدوهم كما اضطهدهم القوط. وحيثما اتجه سلاح المسلمين، سار اليهودُ مِن ورائه متابعين متزاحمين، فالعرب يحاربون واليهود يتَّجرون، حتى إذا ألقت الحربُ أوزارَها رأيتَ اليهود والعرب والفرس وقد اجتمعوا على إنماء التعليم، والفلسفة، والآداب والعلوم، إلى غير ذلك مما ميز حكمَ العرب، وأرسل شعاعَه في العصور الوسطى منيراً وهَّاجاً.


السلام العالمي.. أساسي


مهما طال أمد الحروب، فإن للسلام فصل الكلام ومسك الختام. والسعي للحفاظ على هذا الوئام واجب القوة الضاربة وفرض القوة الناعمة.

ولا بد أن نقر بهذا الإنجاز لأميركا من بعد الحرب العالمية الثانية وإنشاء صندوق «مارشال» لإعادة إعمار أوروبا من بعد ذلك الدمار الشامل. ونعتقد بأن أميركا لا تدين للعالم بشيء أكثر أو أقل من السلام الأساسي ذاته الذي نتمتع به منذ زمن طويل ليس سلاماً أميركياً، بل عالمياً.

قوات للحرب .. و أخرى للسلام

ويود بعض الاستراتيجيين تغيير نمط القوات المسلحة إلى نوعين من القوات: نوع يخوض الحرب وآخر يشن السلام، فهي هبة من التواصلية المنتجة للسلام، ينبغي أن نحافظ على إعطائها كهبة.
ويوضح «أيزنهاور»:«إن دورنا في حفظ السلام العالمي طرأت عليه بحكم مسؤوليات الولايات المتحدة زيادة غير مسبوقة في صناعة السلاح، حتى إننا الآن نملك جيشاً قوامه ثلاثة ملايين ونصف مليون من الرجال والنساء، كما أننا نوجه إلى الجانب العسكري في اقتصادنا ما يوازي دخل كل الشركات الأميركية مجتمعة...». 

القوة الصلبة.. خادمة للناعمة

القوة الصلبة نافعة إذا ما كانت في خدمة القوة الناعمة وبين القوتين خيط رفيع، كما هو الفرق بين الحكمة والحماقة.
فالذكاء المصطنع لا ينفع هنا للحفاظ على السلام المستدام، بل في الذكاء الحقيقي يكمن الحل، يقول الخبراء إن علامة الذكاء الحقيقي هي القدرة على الإمساك بمفهومين متعارضين في رأسك، في الوقت ذاته، إلى أن تفهم حقيقة كل منهما وتدرك في الآن نفسه اختلافاتهما.
ولا ينبغي أن يخلو عالم الإنسان من ذلك لأن العالم المقابل للحيوان لا يخلو منه.، وهو ما لا حظه الدالاي لاما أحد صناع السلام. فقد لاحظ بأن «أشد الكلاب عدوانية وشراً، عندما تحيط بها كلاب تميل للسلم، فإن هذا يؤدي إلى إظهار جانبها المسالم». وشيء قريب من هذا يحدث في الذهن البشري، مشيراً إلى الطرق التي تجعلنا نألف بصورة متزايدة عواطفنا السلمية.

عمليات السلام.. تبريد للحرب

من هنا ندرك فاعلية عمليات حفظ السلام في البقع الملتهبة والمتناثرة حول العالم. 
عمليات حفظ السلام والإغاثة هي تماماً: الدخول في مواقع ميؤوس منها، إما إثر صراع توقف أو إثر كارثة، ومحاولة استعادة النظام بحيث يمكن أن تبدأ استعادة العافية، ورغم أن هذه المواقع خطرة، إلا أنها عادة لا تكون معادية.
ومن الواضح أن عمليات حفظ السلام دورها تبريد الحرب أو  تجميدها  في بعض الأحيان، حتى تتحرك آلة الاقتصاد، إن السلام العالمي الناتج عن الحرب الباردة يفضي إلى العالم الذي يعمل بشكل أساسي على الصعيد الاقتصادي، أو إلى العالم الذي لم يعد منقسماً بين نموذجين اقتصاديين متنافسين، بل متكاملين حتى لا يتآكلا أو لا يأكل بعضه الآخر. من هنا تقدمت العولمة، لأن حدودها أبعد من أن تكون ثابتة، إن السلام والاستقرار أساسيان لكي تتواصل.

الدفاع .. ليس ضد السلام

البحث عن السلام لا يعني عدم الدفاع عن النفس، ففي معظم دول العالم ميزانية الدفاع تأخذ نسبة كبيرة من إجمالي الناتج القومي، ففي أميركا الدولة الراعية للسلام في العالم، يدرك فيها المواطن أن بلاده رصدت تريليون دولار كل سنة تحت بند الدفاع عن نفسها، أي حوالي 20% من مجمل الدخل القومي. 
بالمقابل هناك دول في العالم الثالث تصرف أكثر من 30% من إجمالي الدخل القومي، ولم تستطع حماية السلم الداخلي وتناثر عِقد الأمن آحاداً.
فأي دولة لا تتمكن من الحفاظ على سلامها الذاتي لا يمكن أن تكون شريكاً محايداً في رعاية السلام العالمي، مهما تبجحت وعلا صدى صوتها على مفعول السلام.

فضيلة السياسة.. السلام

دائماً توصف السياسة بأنها منزوعة الفضيلة، لأنها أحياناً تُحيّد الأخلاق في تعاملاتها الدولية، وتقرب البراجماتية و«الميكيافيلية» إلى ساحتها، وتنشر النفعية البحتة أو المصلحة المطلقة في دروبها، فصار من البداهة القول إن في السياسة لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة مستمرة، ولكن مصالح مستدامة، وهي تقرب درجة الخصام أو العداء أو نِسب الوئام.
بين هذه الشحنات السياسية التي قد يتصورها البعض من المثاليين سلبية، ونقول عنها نفعية، لأنها في الغالب يعلو فيها صوت الاقتصاد على سوط السياسة. 

فضيلة .. " الدلاي لاما "

إلا أن هذه المعادلة لا تحرِم السياسة من فضيلة السلام، سواء بين الدول، أو بين مكونات المجتمع الواحد أو بين الإنسان نفسه. فلنأخذ هذه الفضيلة من حياة «دالاي لاما» الحائز على جائزة نوبل للسلام لمواقفه الإنسانية، وهو اليوم يمارس دور الداعي إلى السلم المجتمعي في كل العالم.
نقول في الوقت الذي تبدو فيه الصراعات الناجمة عن الكراهيات العرقية قائمة، توفرت للدالاي لاما الجرأة لأن يتصور خطة عامة لصنع السلام طويلة المدى، بحيث يأتي اليوم الذي تُحل فيه النزاعات «بالحوار، وليس بالحرب» - وبذلك إنهاء لتركيبة العقل القائمة على (نحن مقابل هم) على كل صعيد، بدءاً من الفئات الصغيرة وحتى الشعوب والأمم بكاملها.

" بيروقراطية " .. سلام

يقول سبينوزا: «السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو فضيلة، وحالة ذهنية، ونزعة إلى تحقيق الخير، وترسيخ الثقة وإرساء العدل»، 
إن أبرز مشروع للسلام العالمي كان في إنشاء منظمة الأمم المتحدة وقبول مختلف الدول العيش المشترك تحت مظلتها، وهي الضامنة لعدم وقوع كارثة الحرب العالمية الكونية الثالثة.
وعلى ضوء ذلك، هناك عمليات السلام التي تمثل اليوم مكوناً مهماً في أنشطة الأمم المتحدة، إذ توظف مائة ألف إنسان، بميزانية تجاوزت 8 مليارات من الدولارات الأميركية في عام 2015. وبهذا الحجم من الضخامة، صارت لدى الأمم المتحدة بيروقراطية «سلام» لها مجموعة المصالح الخاصة بها، وقد نشرت منظمة الأمم  المتحدة 71 عملية لحفظ السلام في شتى أنحاء العالم منذ عام 1948. وفي 30 يونيو 2020، بلغ عدد عمليات حفظ السلام المنتشرة 13 عملية ومنها 7 عمليات في أفريقيا. وتبلغ الميزانية الكاملة لعمليات حفظ السلام 6.58 مليارات دولار أميركي لفترة 2020-2021.

ليست جنة .. انقاذ من جحيم

والذي يؤكد هذه الحقيقة ما يلفت نظر الداخل إلى أروقة هذه المنظمة الأممية، وعلى أحد الحوائط في المقر الرئيس للأمم المتحدة هناك عبارة للأمين العام الأسبق داغ هامر شولد: «لم تنشأ الأمم المتحدة للمضي بالبشرية إلى الجنة، ولكن لإنقاذها من الجحيم».
صدر هذا المنطوق في ذروة الحرب الباردة، ولا مجال للشك فيما كانت تعنيه بكلمة «الجحيم»: الحرب المدمرة بين القوى الكبرى.
لم تقع تلك الحرب، قط، ومارست الأمم المتحدة دوراً في الإنجاز المتمثل بتجنب الحرب المدمرة بين القوى الكبرى، فالتعاون في المؤسسات الدولية أمر بالغ الأهمية لجهة تحول الحرب بين الدول إلى أمر ولى زمانه.

تواصلية العولمة.. آلية السلام

فالدول التي لديها آليات صنع السلام، هي الوحيدة القادرة على الاستمرار في مشاريعها المستقبلية، يقول توماس بارنيت أحد الخبراء الاستراتيجيين في هذا الصدد، لقد علمنا أننا بحاجة إلى مقدرة أكبر داخل الصفوف الخاصة ببناء الوطن، صنع السلام وما شابه.
إننا من خلال توسيع تواصلية العولمة، نزيد السلام والازدهار على نطاق الكوكب. لقد كان من ثمار هذا السلام كما يذهب إليه ذاك الخبير، أنه بعد الحرب الباردة، انتقلنا من شفير الحرب النووية إلى التعايش السلمي، فرأينا أن الاقتصاد العالمي بدأ بالتوسع خلال ثمانينيات القرن العشرين ليشمل ما يدعى بالأسواق الناشئة لأميركا اللاتينية وآسيا النامية. إن السلام ليس وهماً نبيلاً، أو يتوجب تبنيه باسم العقيدة ، بل هو سمة إنسانية دنيوية بسيطة، شيء نستطيع جميعاً ممارسته كل يوم، بصرف النظر عن معتقداتنا الروحية الشخصية.