الأربعاء 04 مارس 2026

طارق رضوان يكتب: حرب الطاقة المقدسة ( 1 )

باور بريس

 

«لقد اتخذت قراري فلا تشوّش علي بالحقائق والوقائع». مثل امريكى

هناك فوضى فى كل انحاء العالم . اوربا تنظم نفسها من مواجهة امريكا . واليابان والصين وهما قطبان اقتصاديان متنافران لو اعتبرنا ان اليابان جزء لا يتجزأ من الانحياز لامريكا مع العداء التاريخى المعتاد فيما بين الصين واليابان . 

كما ان التقارب الروسى الاوربى تفكك باصابع امريكية واضحة وصريحة بظهور جون ماكين فى ميدان الاستقلال فى اوكرانيا وهى احدى دول الاتحاد الاوربى وفى عمق الحدود الاستراتيجية الروسية . حاولت روسيا تجنب الصراع فجرجرتها الولايات المتحدة الى الحرب الروسية الاوكرانية بدعم علنى لاوكرانيا وباستراتيجية خفية مفاداها ( حرب لابد ان تطول ولا منتصر فيها ولا مهزوم ) . ونتيجة تلك الفوضى لم يعد احد يعرف اين هو بالتحديد . ومع من او ضد من . واين القريب واين البعيد .

 وما هو المحتمل وما هو المستحيل ؟ وهى حالة تشبه لحد كبير بتجربة قائد الاسطول الامريكى السادس فى البحر المتوسط ايام معركة السويس سنة 1956  . كانت الولايات المتحدة قد وقفت فى تلك الظروف ولاسبابها الخاصة موقفا مختلفا عن موقف حلفائها التقليديين بريطانيا وفرنسا واسرائيل . 

وبعث وزير البحرية الامريكى فى واشنطون ببرقية الى قائد الاسطول السادس فى البحر المتوسط يسأله عن حالة استعداده . ورد الاميرال قائد الاسطول ببرقية صارت مثلا فى التاريخ . قال فيها (الاسطول على اقصى درجات الاستعداد ولكن بحق السماء من هو العدو؟ ) . لكن الصراع الحقيقى يكمن فى تفاصيله . فهناك امبراطورية متسيدة وهى الولايات المتحدة وامبراطورية زاحفة وهى الصين . وهو ما يفسر لنا نزول القوات الخاصة الامريكية الى كاراكاس العاصمة الفنزويلية لاعتقال نيكولاس مادورو  والسيطرة الكاملة على النفط الفنزويلى وهو الامر الذى شل حركة حليفتها الصين التى اخرجت بيان ادانة لحفظ ماء الوجه .

 وكانت اعين الولايات المتحدة وهى تسيطر على نفط وغاز فنزويلا متجهة صوب ايران الحليف الاستراتيجى لدولة الصين والمورد الاكبر للغاز والنفط اليها . فاتجهت الاساطيل البحرية وحاملات الطائرات لسواحل الخليج العربى لشل مشروع النفط الايرانى الصينى . وظاهريا بالطبع كما تردد وسائل الاعلام الامريكية الرهيبة بأن حرب ايران من اجل القضاء على النظام الملالى والقضاء على المشروع النووى الايرانى الذى يهدد دولة اسرائيل . وهو المبرر الذى جعل دولة اسرائيل تتصدر المشهد وتشن الحرب علنا على ايران بتنسيق كامل ( عسكرى ومخابراتى ) مع الولايات المتحدة الامريكية .

فمع بداية عصر الإكتشافات البترولية في الشرق الأوسط أصبح البترول والغاز من الأدوات الرئيسة بيد أصحاب القرار لتحقيق أهداف سياسات دولهم، كما أن ازدياد اعتماد دول العالم على الطاقة من البترول والغاز واعتماد اقتصادات دول المنطقة على صادراتها منها، زادت أهمية خطوط نقل البترول والغاز، والتي تحوّلت من مجرّد وسيلة نقل للوقود، إلى شرايين حياة للأنظمة الحاكمة، ووسائل ضغط ومساومة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية. وبذلك تحوّل مدّ تلك الخطوط الى وسيلة رئيسة لزيادة نفوذ الدولة والنظام الحاكم على المستويين الإقليمي والعالمي. وصار بالتالي من المنطقي أن تتحوّل خطوط نقل البترول والغاز إلى أهداف رئيسية لأي قوى تريد الضغط على حاكم، أو إسقاط نظام حكم ...
«شرايين الطاقة الجديدة» كما يسميها البعض، هي أنابيب الغاز العابرة القارّات، والتي تزداد طولًا يومًا بعد يوم، حيث يتم يوميًا إضافة عشرات الكيلومترات منها على سطح كوكب الأرض. وهذه الأنابيب صارت بمثابة «حبال السرّة» للعديد من الدول وبخاصة لدول غرب أوروبا، وقد بدأت بالانتشار شرقًا في هضاب آسيا الشمالية والوسطى وسهولها. كما أنها وصلت خلال السنوات الماضية إلى أميركا اللاتينية . وبينما تتصارع الدول المستهلكة على امتداد «الأوراسيا»، للفوز بعقود شراء الغاز من الدول المنتجة، يبرز صراع من نوع آخر للتحكّم بهذه السلعة الاستراتيجية، من خلال التحكّم بمرور شرايين وأعصاب الطاقة الجديدة والمتجدّدة عبر أراضيها . لقد أصبح الغاز الطبيعي المسال في السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة المطلوبة في معظم أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن أكبر مستهلك لهذه المادة هو الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، فإن دولًا قليلة تقوم بإنتاجها .
لقد نمت القوة المحرّكة لصناعة الغاز الطبيعي المسال خلال العقد الأخير من القرن الحالي بشكل كبير، لكن الطلب العالمي على هذه المادة يتضاعف كل عشر سنوات تقريبًا .
فالغاز الطبيعي هو أحد مصادر الطاقة البديلة عن النفط (البترول)، وهو من المحروقات ذات الكفاءة العالية القليلة الكلفة والقليلة الانبعاثات الملوّثة للبيئة، ويعتبر من موارد الطاقة المهمّة للصناعات الكيماوية . ويقدّر الاحتياط العالمي «شبه المؤكد» من الغاز الطبيعي وفق احصائيات العام 2013 بنحو 190 تريليون م3. ويقدّر المصروف السنوي بأكثر من 3.3 تريليونات م3. لذلك يرجّح أن كميّات الغاز المتوافرة في العالم تكفيه لحوالى 60 سنة قادمة بوتيرة المصروف السنوي حاليًا .
اشارت تقديرات مطلع عام 2013 للاحتياط العالمي من الغاز الطبيعي (كتاب حقائق العالم الصادر عن وكالة المخابرات المركزية الاميركية)، إلى أن روسيا الإتحادية تقع في المرتبة الأولى (47 تريليون و800 مليار متر مكعب)، تليها إيران (33 تريليون و610 مليارات متر مكعب)، فقطر (25 تريليون و200 مليار متر مكعب)، ومن ثمّ كل من: تركمانستان، الولايات المتحدة الاميركية، المملكة العربية السعودية، الامارات العربية المتحدة، فنزويلا، نيجيريا، الجزائر، العراق، والصين.
أما استهلاك العالم من الغاز ما بين 2010 و2013، فيضع الولايات المتحدة الأميركية في المرتبة الاولى (689 مليار و900 مليون م3)، تليها روسيا (457 مليار 200 مليون م3)، فالاتحاد الاوروبي (443 مليار 900 مليون م3) لتأتي من ثم إيران، الصين، اليابان، المملكة العربية السعودية، كندا، المملكة المتحدة، المانيا، إيطاليا والهند. وبعد مرور عشرة اعوام من تلك التقديرات فقد تضاعف استهلاك تلك الدول الى عشرة اضعاف بعدما ازداد الاعتماد على الغاز الطبيعى فيما تراجع الاعتماد على النفط الامر الذى جعل اسعاغر النفط فى السنوات العشر الاخيرة تتناقص . ومنذ مطلع القرن الحالي، وضع عدد من الخطط لتمديد أنابيب الغاز، منها ما بدأ تنفيذه، ومنها ما لا يزال قيد التخطيط . فقد قامت روسيا بتنفيذ بعض هذه الخطوط لتعزيز موقعها في سوق الطاقة الأوروبي، على المدى البعيد. والبعض الآخر قام الأوروبيون والأمريكيون بدعمه كخيار استراتيجي للحد من هيمنة الروس على سوق الطاقة الأوروبي والعالمي . كذلك هناك مشاريع خطوط لنقل الغاز تبنّتها الصين والهند وباكستان، في إطار مقاربات، تختلط حساباتها الاقتصادية باعتباراتها السياسية والإستراتيجية البعيدة المدى .
باشرت روسيا بناء عدد من الخطوط لنقل الغاز إلى شمال أوروبا وجنوبها، كما إلى منطقة البلقان وتركيا. وأبرز هذه الخطوط خطّا «السيل الشمالي» و«السيل الجنوبي»، اللذين يتجهان إلى أوروبا عبر بحر البلطيق والبحر الأسود .
السيل الشمالي الذي افتتح في 2011 (نورث ستريم )، يتّجه عبر بحر البلطيق نحو ألمانيا مباشرة بطول 1224 كلم، ويتشكّل من أنبوبين، طاقة كل منهما التمريرية 27.5 مليار م3 سنويًا. وبواسطته ستتمكّن روسيا من نقل غازها إلى كل من الدانمارك وهولندا وبلجيكا وبريطانيا وفرنسا وبولندا وتشيكيا، ودول أخرى انطلاقًا من ألمانيا، وسيوزّع الغاز على نحو 26 مليون منزل في أوروبا .
أما السيل الجنوبي (ساوث ستريم)، فانطلق في يونيه / حزيران 2007، كمشروع مشترك بين شركتي «ايني» الإيطالية و«غازبروم» الروسية، لنقل الغاز الروسي إلى جنوب أوروبا ووسطها عبر البحر الأسود وبلغاريا.
ويبلغ طول هذا الخط 900 كيلومتر، وتصل طاقته التمريرية إلى 63 مليار متر مكعّب سنويًا. وكان من المقرّر إنجازه قبل نهاية عام 2013 وهو يمثّل المشروع الروسي المنافس لخط «نابوكو». وهو الخط اللغز الذى اقامته الولايات المتحدة الامريكية للهيمنة الكاملة على خطوط انابيب الغاز ...     ( يتبع )