عبد الفتاح موسي يكتب: دموع الفرحة
أمرنا غريب جدًا نحن المصريين…
نكاد نعيش بالكاد، نحمل من الهموم ما يكفي لإسقاطنا، ونواجه من الظروف ما يجعلنا أحيانًا نتمنى الرحيل بعيدًا…
نغضب، ونشكو، ونملّ، ونقول إننا لم نعد نحتمل.
نتحدث عن السفر، وعن الهجرة، وعن بلاد أخرى قد تمنحنا حياة أكثر هدوءًا وأقل قسوة…
نقول ذلك كثيرًا، وربما نصدقه أحيانًا.
ثم تأتي لحظة واحدة…
لحظة فرح عابرة، انتصار صغير، أو حتى فوز في مباراة لكرة القدم…
وفجأة، يحدث شيء غريب.
ننسى كل شيء.
ننسى التعب، والهموم، والأحمال، وكل ما قلناه عن الرحيل.
نجتمع أمام علمها، ونرفع رؤوسنا بفخر، ونبتسم كالأطفال، ثم نحاول أن نخفي دموعًا لا نعرف من أين جاءت.
وحين يبدأ نشيدها الوطني…
تتغير الوجوه.
يصمت الجميع، وتقف القلوب قبل الأجساد، وتسري فينا قشعريرة لا نستطيع تفسيرها، ويغلبنا حنين غريب إلى وطن لم نغادره أصلًا.
فما هذا الذي بيننا وبينها؟!
نحزن منها…
ونغضب عليها…
ونشكو منها ليلًا ونهارًا…
لكن إذا تحدث عنها غريب بسوء، تحولنا جميعًا إلى أبنائها المدافعين عنها، وكأننا لم نشكُ منها يومًا، وكأن خلافنا معها شأن عائلي لا يحق لأحد أن يتدخل فيه.
الحقيقة التي ربما لا نعترف بها كثيرًا، أننا أمام حالة عشق مكتملة الأركان.
نعم…
عشق.
نحن المصريين نعشقها.
نعشق ترابها، ونستنشق هواءها وكأنه جزء من أرواحنا، ونحملها معنا حتى ونحن نحلم بالرحيل عنها.
وهذا هو العشق الحقيقي…
حب لا يرتبط بشرط، ولا ينتظر مقابلًا، ولا تحكمه النتائج، ولا يعرف حسابات الربح والخسارة.
العشق أن تحب دون أن تعرف لماذا…
أن تغضب ولا تستطيع الرحيل…
أن تشكو منها، ثم تشتاق إليها وأنت ما زلت بين ذراعيها…
أن تتعبك، فتغضب منها، ثم تسمع نشيدها فتدمع عيناك دون استئذان.
نعشقها، ولا نعرف متى بدأ هذا العشق، ولا كيف أصبح يسكننا بهذا العمق.
ربما ورثناه مع أسمائنا…
ربما رضعناه مع الحكايات…
ربما تعلمناه من آبائنا دون أن يخبرونا أنهم يعلموننا إياه.
كبرنا فوجدناها داخلنا…
في أصواتنا، وفي ضحكاتنا، وفي غضبنا، وفي ذكرياتنا، وفي لهفتنا عند كل انتصار، وفي دموعنا التي تفضح كل ما نحاول إنكاره.
تعلمنا أن نحبها…
وتربينا على عشقها…
ونحيا بها…
وقد نموت من أجلها دون أن نسأل أنفسنا لماذا.
لأن بعض أنواع الحب لا تحتاج إلى تفسير…
وبعض أنواع العشق لا تعرف المنطق.
ونحن، مهما تعبنا، ومهما غضبنا، ومهما تحدثنا عن الرحيل…
تبقى الحقيقة واحدة:
نحن المصريون…
نحن العاشقون.