دكتور عبد الله العوضي يكتب : محاصرة الحقيقة!
ما هي الحقائق ؟! قد تكون معلومة أو حدث تاريخي ، سياسي ، اجتماعي ، اقتصادي و ثقافي .
في العالم العربي ليس هناك نظام واضح لنشر المعلومات ، و هو في الغالب يفضل التعمية أو التعتيم الإعلامي حول نشرها ، بظنه أفضل من مواجهتها أو قيام معركة فكرية حول مصداقيتها .
أما في العالم الغربي و لدى بعض دولها نظام لنشر الوثائق عن الحقائق بعد مرور ثلاثة عقود من حدوثها ، أي بعد عبور أكثر جيل ، و هي مدة كافية لعدم الاكتراث بها إلا من قِبل الباحثين و الأكاديميين في الجامعات و مراكز الأبحاث .
أما المعلومات السيارة على مدار الساعة فإنها تنشر مبتورة و ناقصة و مجهولة المصدر في معظم الأحيان ، أو أحيانا يوزع مدادها بين مختلف البلدان ، بحيث يتعب الباحث عن الحقيقة بين الكم الهائل من الدفق اليومي للوصول إلى النتائج الصحيحة .
يعتقد البعض المغرم بالحقائق التي تنشر عبر المصادر الموثوقة ، بأنه لا معقب عليها و كأنها مطلقة و هي في الحقيقة نسبية .
ففي مجال السياسة ، لا تعدو كونها سيناريوهات الهدف منها إرباك متخذ القرار ، و أخرى لجس النبض و ثالثة عبارة عن أنصاف أو أرباع الحقائق ، و هي أقرب إلى اللغز منها إلى حقيقة يبنى عليها قرار سليم .
تغلب عليها الآنية و الوقتية أو الظرفية ، فسرعان ما يتم تغييرها دون سابق إنذار ، بحيث تلاحقها التساؤلات الخالية من المعلومات المفيدة لمتخذ القرار في أي شأن مجتمعي .
و أبرز مثال في السياسة الراهنة ، ما جرى طوال سنوات ما أطلق عليه " الربيع العربي " وهي عكست كل الفصول إلا الربيع .
فأميركا وحدها أعدت لهذا الحدث المزلزل أكثر من سبعة عشر سيناريو للتعامل مع هذا " الربيع " الذي خرج عن ما رسم له إلى أنفاق مظلمة باتجاه واحد عنوانه الرئيس " الفوضى " و لكنها غير خلاقة ، بل خانقة وفق كافة المعايير السياسية في العلاقات الدولية .
كما يدرس في عالم الصحافة ، بأن المعلومة جزء هام من حرية الرأي فإنها كذلك في شتى مجالات الحياة عندما تحاصر الحقيقة فإن الميدان يخلو للشائعات و نظريات المؤامرة حتى لو نشرت بعد ذلك معلومة صحيحة يساء الظن بها و إن كانت هي الحقيقة .
التاريخ لا يسهل تجاوزه ، و تعلمه مرآة لا تكذب عليك و ناصح لن يخذلك .
يقول مصطفى كامل : " اعلم أن الحقيقة لو كانت معلنة على لسان رجل واحد تكفي وحدها للتأثير على الضمائر و الأفكار .. و لا شيء يشجع النفوس الميّالة للحرية مثل ميل الأمم الحرة إلى نشر الحرية بين سائر بني الإنسان .
الحقيقة و الصراحة و الشفافية ، كلها أدوية مرّة لعلاج علل و أمراض الأمم و المجتمعات البشرية ، و عكسها أدوية مغلفة بقشرة صناعية محلاة ، سرعان ما تذوب و تخرج نتائجها أمرّ من العلقم!
في هذا العصر لا تصدق نصف ما تسمعه أو تشاهده ، و لا تثق بكل ما يقال أو يكتب