الخميس 10 سبتمبر 2026

عبد الله العوضي يكتب: اللعب مع الكبار .. و الصغار بقَدَر !

باور بريس

 

السياسة عوالم يلعب بها و فيها الكبار كيفما شاؤا و اتفقوا ، و من لايتقن قواعد هذه اللعبة معهم ، فالأسلم للصغارأن يلعبوا خارج ملعبهم ، أو يبنوا لهم ملعبا خاصا حتى يكبروا ، ثم يشاركوا الكبار وفقا لقواعدهم بعد إتقانها ، فهنا يضع الإحترام موازين القوة أمامه فإذا ضعف الصغير عن إكمال المشوار مع الكبار داسوا عليه أو تخلصوا منه ، فليس للشفقة مكان من الإعراب في دهاليز السياسة بكل خبثها و خبائثها .
هيلاري كلنتون في بداية مذكراتها " خيارات صعبة " تؤكد على أن المواطَنة الأميركية لا تحصل لمن لا يتقن قواعد اللعبة الديمقراطية في أميركا ، و من لا يدرك هذه الحقيقة يغرق في متاهاتها .
و من قبل هيلاري ، و في القرن الماضي ذاع صيت كتاب " لعبة الأمم " لمايلز كوبلاند الذي صدر في 1969 ، و خلاصته في كيفية قيام الكبار بصناعة زعماء صغار لا يسمح لهم أن يكبروا ، و عند أول نفَس للنمو أو القفز  إلى مصاف الكبار ينتهي اللعب معهم  .
هذا الأمر لا يتعلق بالعالم الثالث فحسب ، بل في كل العوالم بشتى توجهاتها السياسية أو الفكرية ، و في مذكرات جاك شيراك الجزء الأول يتحدث عن قصة فرنسا في الجزائر و كيف أن الوطنيين المخلصين المنادين بضرورة انهاء الإحتلال قد تم تصفيتهم و التخلص منهم بشتى الطرق من قبل الحكومة الفرنسية ذاتها .
الفكرة في حد ذاتها ليست معاصرة فإن بذورها النظرية غرست منذ القرن الرابع عشر للميلاد ، عند الحديث عن حكومة عالمية واحدة يتحكم بها دول تعد على أصابع اليد الواحدة و بقية الدول تروس مغروسة في مفاصل حكومة العالم ، تؤمر فتطيع و لو بصورة عصرية مهذبة .
خلال الخمسة قرون الماضية و المحاولات جارية للوصول إلى هذا الهدف النهائي و إن  لم تكتمل الصورة المثالية بعد .
و قد تمثل تلك المحاولات في الوصول إلى مرتبة حكومة عالمية واحدة ، في القيام بتأسيس عصبة الأمم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى  من الدول المنتصرة و هي إنجلترا و فرنسا و إيطاليا و اليابان .
و بعد الحرب العالمية الثانية اتسعت دائرة تنفيذ مشروع صيغة عملية لتلك الحكومة " اليوتوبية " في زمن لا تؤمن  الأكثرية بها ، إلى إطار آخر و أشمل سمي بالأمم المتحدة .
وصل اليوم عدد أعضائها إلى 193 دولة من حول العالم ، و لم يتحقق ما أريد من خلالها رغم اتساع رقعة صلاحياتها التي تتخطى أحيانا سيادة الدول تحت البند السابع لإشعال الحروب العبثية برسم القانون الدولي .
في هذا الوقت العصيب من وضع العالم الذي اشتبكت مصالحه بالأماكن المشتعلة ، نرى بأن مصير الجميع بيد أعضاء مجلس الأمن الدائمين و هم : أميركا و فرنسا و الصين و روسيا و بريطانيا .
و قد بحت أصوات بعض الدول المطالبة بضرورة إصلاح الأمم المتحدة، لكي يتناسب مع التغيرات الجذرية التي اخترقت العالم منذ 1945 إلى هذا الوقت الذي دار  الزمن حول نفسه مرات .
خمس دول تتحكم  بمصير العالم ، بأي منطق ديمقراطي معكوس أو منقوص يُقبل به أو ينقلب عليه ؟! 
بعد الإصرار الحاد على عدم اللجوء لأي تغيير خرج حلم الحكومة العالمية من أروقة الأمم المتحدة إلى الفضاء السيبراني ، لتحدث نقلة ديمقراطية عن بُعد ، عبر شبكات الإنترنت و كذلك الإنترانت الداخلية عبر المؤسسات البيروقراطية في كل مكان .
وصلنا الآن إلى حديث هامس حول محاولة جديدة لحكم العالم عبر تقنية الذكاء الإصطناعي ، و شبكة " G5 “ التي أشعلت حربا تجارية شرسة بين أميركا و الصين عبر " هواوي " التي لا زال صداه يدوش  البعض يخشى مواجهة عسكرية بين أكبر اقتصادين في العالم ، لتعود حدود الصراع بين الكبار بعيدا عن تدخل الصغار الذين يراقبون الوضع عن بعد أو ينتظرون لمن تكون الغلبة إلى حين صدور القرار؟!