الجمعة 04 سبتمبر 2026

محمد فؤاد يكتب: "بين ما طلبه الرئيس".. وما قدمته «البترول»

باور بريس

 

قبل أيام، اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، وكان من أبرز ما خرج عن الاجتماع تكليف واضح للوزير بتحويل مستهدفات القطاع إلى برامج تنفيذية ومؤشرات أداء قابلة للمتابعة والقياس.

والمعنى ببساطة أن المطلوب لم يعد رقمًا جديدًا نقول إننا سنصل إليه في 2030، وإنما طريق واضح يشرح كيف نصل إلى ذلك على أرض الواقع، وماذا يجب أن يحدث كل عام حتى نعرف إن كنا نسير نحو المستهدف أم نبتعد عنه.

بعد ذلك بأيام، عقد وزير البترول لقاءً صحفيًا لمناقشة خطط زيادة الإنتاج، وعرضت الوزارة ثلاثة سيناريوهات لمستقبل إنتاج الزيت والغاز حتى 2030، مع افتراضات لتنمية الاكتشافات الجديدة خلال 3 أشهر للمناطق البرية و6 أشهر للمياه الضحلة وسنة ونصف للمياه العميقة، مع الإسراع في الاتفاقيات وقرارات الاستثمار.

وهنا يفترض أننا بدأنا الانتقال من مرحلة «المستهدف» إلى مرحلة «كيف نحققه»، لكن عندما بدأت في قراءة الأرقام وحساب ما تعنيه على الأرض، وجدت أن الأسئلة أصبحت أكبر.

ففي يناير الماضي، أعلن وزير البترول خطة لخمس سنوات تتضمن حفر نحو 480 بئرًا استكشافية باستثمارات تتجاوز 5.7 مليارات دولار، أي نحو مائة بئر سنويًا. أما الأرقام الجديدة، فتشير في السيناريو المتوسط إلى الحاجة لحفر 513 بئرًا في السنة الأولى، ثم 565، ثم 620، ثم 680 بئرًا، أي 2,378 بئرًا خلال أربع سنوات فقط.

بالطبع المقارنة ليست مباشرة، فالـ480 بئرًا كانت استكشافية فقط، بينما الرقم الجديد قد يشمل آبار التنمية أيضًا، لكن هذا لا ينهي السؤال بل يبدأه: فإذا كان البرنامج المعلن 480 بئرًا استكشافية خلال خمس سنوات، ثم أصبح المستهدف يحتاج أكثر من 2,300 بئر خلال أربع سنوات، فأين برنامج باقي الآبار؟ وكم منها استكشافي وكم تنموي؟ وما تكلفتها؟ ومن سيمولها؟

هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي الخطة نفسها.

ثم يأتي دور طاقات الحفر. العرض لا يذكر عدد البريمات المطلوب، لكن إذا افترضنا - لاختبار الرقم فقط - أن متوسط حفر البئر شهران، فالبريمة الواحدة تحفر نظريًا نحو ستة آبار سنويًا. وعليه، فحفر 513 بئرًا يحتاج حسابيًا نحو 85 بريمة، ويقترب الاحتياج مع ارتفاع العدد إلى 680 بئرًا من 113 بريمة.

هذا حساب تقريبي من جانبي وليس رقمًا أعلنته الوزارة، وقد يختلف حسب طبيعة الآبار، لكنه يطرح سؤالًا بديهيًا: كم بريمة تحتاج الوزارة فعلًا؟ وكم بريمة تعمل في مصر اليوم؟ خاصة أن زمن الحفر يختلف بين البر والبحر والمياه العميقة، فضلًا عن الانتقال والصيانة والاختبارات.

ثم نصل إلى الرقم الأهم: «الإنتاج».

مصر تنتج حاليًا نحو 3.7 مليار قدم مكعبة يوميًا، والمستهدف 4.2 مليار خلال العام المالي 2026/2027. للوهلة الأولى يبدو أننا نحتاج نصف مليار قدم فقط، لكن العرض يفترض تناقصًا طبيعيًا للحقول القائمة بنحو 480 مليون قدم يوميًا سنويًا.

أي أن الـ3.7 مليار ستصبح، قبل الإنتاج الجديد، نحو 3.22 مليار، وبالتالي لا نحتاج 500 مليون قدم جديدة للوصول إلى 4.2 مليار، بل نحو 980 مليون قدم مكعبة يوميًا من إنتاج جديد خلال عام واحد، أي أكثر من ربع كل إنتاج مصر الحالي من الغاز.

والمهمة تصبح أصعب لاحقًا؛ ففي 2028/2029 يحتاج السيناريو نحو 1.48 مليار قدم يوميًا من إنتاج جديد بعد حساب التناقص، ثم نحو 1.38 مليار في العام التالي. وبجمع السنوات نصل إلى احتياج يبلغ نحو 5.42 مليار قدم يوميًا من قدرات جديدة خلال خمس سنوات.

بمعنى أبسط: نحن نتحدث عن إضافة قدرات إنتاجية جديدة تعادل نحو مرة ونصف كل إنتاج مصر الحالي، لأن جزءًا كبيرًا منها سيذهب لتعويض التراجع الطبيعي للحقول القائمة.

هذا ليس مستحيلًا حسابيًا، لكنه ضخم تنفيذيًا، ويحتاج استثمارات وحقولًا وآبارًا وحفارات محددة بالفعل.

وهنا يظهر سؤال آخر. خلال العامين الماضيين كان تراكم مستحقات شركات البترول الأجنبية أحد أهم تفسيرات تراجع الاستثمار والإنتاج، وبذلت الدولة جهدًا ماليًا كبيرًا حتى أعلنت الوزارة تصفير المتأخرات التي بلغت في وقت سابق نحو 6.1 مليارات دولار. وكانت الرسالة أن السداد سيعيد الثقة ويشجع الشركات على الاستثمار والحفر.

لكن بعد السداد يصبح من المشروع أن نقيس النتيجة: إذا كانت المستحقات أحد أهم أسباب تراجع الاستثمار، فأين الاستثمارات الجديدة التي تتناسب مع برنامج يحتاج أكثر من 2,300 بئر؟

ويكتسب السؤال أهمية أكبر مع إعادة بعض المستثمرين الدوليين ترتيب محافظهم في مصر. فبحسب ما نقلته عدة مواقع دولية متخصصة نهاية أغسطس، دخلت BP في محادثات حصرية مع Energean بشأن بيع حصتها في حقول غرب دلتا النيل وامتياز تمساح، في صفقة قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

هذا لا يعني أن BP «تهرب» من مصر أو تخرج بالكامل من السوق، فالمعلن يتعلق بأصول محددة. لكن السؤال الأوسع يظل قائمًا: إذا كنا نحتاج موجة استثمارات وحفر بهذا الحجم، فهل السوق قادرة بالفعل على جذب الأموال المطلوبة؟

فسداد المستحقات يسدد حساب الماضي، أما حفر آلاف الآبار وإضافة أكثر من 5 مليارات قدم من القدرات الإنتاجية الجديدة، فيحتاج شركات مستعدة لتمويل المستقبل.

ولهذا تقدمت بسؤال برلماني إلى وزير البترول، ليس لأقول إن الخطة مستحيلة أو إن الوزارة مخطئة، بل لأنني أريد أن أفهم: كيف انتقلنا من 480 بئرًا استكشافية إلى احتياج يتجاوز 2,300 بئر؟ وكم حفارًا تحتاج الوزارة فعلًا؟ ومن أي حقول ستأتي الـ980 مليون قدم المطلوبة خلال العام الأول؟ وكم استثمارًا جديدًا تم الالتزام به لتمويل هذا البرنامج؟

الهدف هو البحث عن الحقيقة. وإذا كانت لدى الوزارة خريطة واضحة بالآبار والحقول والاستثمارات ومواعيد دخول الإنتاج، فلتضعها أمام البرلمان والرأي العام، وعندها يصبح لدينا ما طلبه الرئيس فعلًا: برنامج يمكن متابعته وقياسه.

أما إذا كانت هذه الأرقام مجرد حساب لما يجب أن يحدث حتى نصل إلى المستهدف، فنحن لا نملك بعد خطة تنفيذ، وإنما نملك مستهدفًا وحسابًا لشروط تحقيقه.

والفارق كبير بين الثلاثة: ما نريد أن يحدث، وما يجب حسابيًا أن يحدث، وما نستطيع فعليًا تنفيذه.

فالإنتاج لا يأتي بالجداول، وإنما بآبار تُحفر، واستثمارات تُضخ، وحقول تدخل الخدمة في موعدها.

وهنا تحديدًا يبدأ السؤال: هل ما قدمته الوزارة هو ما طلبه الرئيس؟