رئيس مجلس الإدارة
أحمد ابو القاسم

الدكتور عادل اليماني يكتب : آنَ لأبي حنيفةَ أن يَمُدَّ رجْليه

باور بريس

 كثيراً ما تخدعُنا المظاهرُ ، 
وكثيراً نري الناسَ علي غيرِ حقيقتِهم ، وتكونُ قراراتُنا ، مخالفةً للواقعِ الذي يجبُ أنْ يكونَ . 
قالَ سيدُنا عليٌّ ، رضي اللهُ عنه وأرضاه : تَكَلّمُوا تُعْرَفُوا ، 
فَإنّ المَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ..
كم أدهشتنا هيئةُ أُناسِ ، 
كُنا نظنُهم ، مصابيحَ منيرةً ، 
فأدهشنا أكثرَ ، ضعفُ حُجتِهم ، وتواضعُ منطِقِهم ، وهوانُ موقفِهم ..
هي الدُنيا ، يا سادة ، 
تُخفي أكثرَ مما تُظهرُ ، وهـؤلاءِ فيها كثيرون ، فاجتهدْ في فهمِها ، 
وفهمِهم كذلكَ ، وكُنْ كالرقمِ ( واحد ) في جدولِ الضربِ ،  
لايُعطي أيَّ رقمٍ ، كبيراً كانَ ، أو صغيراً ،  أكثرَ من حجمِه ..
وهكذا خدعتِ المظاهرُ ، 
أبا حنيفةَ النعمان ، الأمامَ الأعظمَ ، الذي ملأَ الأرضَ علماً وفقهاً ، خدعتْهُ ، رغمَ ذكائِه وفراستِه ، بل وعبقريتِه !
يجلسُ العَالِمُ بينَ تلامذتِه ، في المسجدِ ، ماداً رجليه ؛ لآلامٍ في الركبةِ أصابتْه ، وكانَ قد استأذنَ منهم . 
وبينَما الحالُ كذلكَ ، إذ برجلٍ ، عليه علاماتُ الوقارِ والرفاهةِ  
بملابسَ بيضاءَ غاليةٍ ، ولحيةٍ كثةٍ مَهيبةٍ 
فجلسَ بينَ تلامذةِ الإمامِ ، فما كانَ من أبي حنيفةَ إلا أنْ اعتدلَ في جِلسَتِه ، احتراماً وتقديراً ، 
وكانَ التلامذةُ يكتُبون ما يقولُه الإمامُ ،  والشيخُ الوقورُ يراقبُهم ، وينظرُ إليهم ، من طَرفٍ خَفيٍّ  ، فقالَ لأبي حنيفةَ ، دونَ سابقِ استئذانٍ : يا أبا حنيفةَ ، إني سائلُك ، فأجبْني ، فشَعرَ أبو حنيفةَ أنَّه أمامَ صاحبِ علمٍ واسعٍ ،  واطلاعٍ عظيمٍ ، فقالَ له : تفضلْ 
فقالَ الرجلُ : أجبْني إنْ كُنتَ عالماً يُتَّكلُ عليه في الفتوى !! متى يُفطِرُ الصائمُ ؟  ظنَّ أبو حنيفةَ أنَّ السؤالَ ( مُفخَخٌ ) فيه مكيدةٌ كبيرةٌ  ، 
أو حِيلَةٌ  عميقةٌ ، لا يُدرِكُها علمُ أبيِّ حنيفةَ ، فأجابَه على حَذَرٍ شديدٍ : يُفطِرُ إذا غرَبتِ الشمسُ ، 
فقالَ الرجلُ ،  بعدَ هَذِهِ الإجابةِ  ، ووجهُه يَنطِقُ بالجدِّ والحزمِ : 
وإذا لم تغربْ شمسُ ذلكَ اليومِ ،  يا أبا حنيفةَ ، فمتى يُفطِرُ الصائمُ ؟!!
وعندَها تكشّفَ الأمرُ ، 
وظهرَ ما في الصدور ، وبانَ ما وراءَ اللباسِ الوقور !
فقالَ أبو حنيفةَ ، قولتَه الشَهيرَةَ ، التي ذهبتْ مثلاً ، وكُتِبَتْ في طَياتِ مُجلداتِ السِّيَرِ ، 
بماءِ الذهبِ : آنَ لأبي حنيفةَ أن يَمُدَ رجْليه .
تُرى كم من صواحبَ  لأبي حنيفةَ ،  في هَذَا الزمانِ ؟ 
أما هَذَا ، فلم تخدعْه عطيةُ الباشا ! الذي أرادَ أنْ يطويَ عُنقَه بالمال ، ليدفعَ ثمنَ تعاليه ، 
رغمَ أنْ الأمرَ في حقيقتِه ، لم يكنْ فيه لا تكبرٌ ، ولا تعالي ، 
فقد كَانَ الشيخُ سعيدٌ الحَلبيُّ ، 
عالمُ الشامِ في عصرِه ، متواضعاً زاهداً ، لا يُكلفُ ولا يتكلفُ ، 
كانَ في درسِه أيضاً ، ماداً رجْليه ، بينَ تلامذتِه ، 
فالشيخُ كبيرٌ ، والدرسُ طويلٌ ، فدخلَ عليه إبراهيم باشا ، 
ابنُ محمد علي الكبير  ، حاكمِ مصرَ ، فلم يتحركْ له ، 
ولم يقبضْ رجليه !  فتألمَ الباشا ، ولكنَّه كتمَها في نفسِه ، 
ولما خرجَ ، بعثَ إليه بصُرَّةٍ  فيها ألفُ ليرةٍ ذهبيةٍ ، فردَّها الشيخُ ،  وقالَ للرسولِ ،  الذي جاءَه بها : قُلْ للباشا : إنَّ الذي يَمُدُ رجْليه ، لا يَمُدُ يدَه !
حقاً : إذا رأيتَ العُلماءَ على أبوابِ الملوكِ ،  فقلْ بئسَ الملوكُ ، و بئسَ العُلماءُ ، 
و إذا رأيتَ الملوكَ على أبوابِ العُلماءِ ، فقلْ نعمَ الملوكُ ،  و نعمَ العُلماءُ ..