السبت 19 سبتمبر 2026

عبد الفتاح موسي يكتب:قلبي هناك

باور بريس

 

كم كنت أرى في نفسي قدرةً على تطويع الكلمات، وكنت أظن أنني أملك من الحروف ما يكفي لأعبّر عن مشاعري، وأنني حين أكتب أعزف بها لحنًا يصل إلى القلوب.

لكنني في هذه المرة أشعر بعجزٍ حقيقي…

فكيف للكلمات أن تصف شوقًا أكبر منها؟ وكيف للحن الحروف أن يعبّر عن حبٍّ يسكن أعماق الروح، وعن عشقٍ كلما حاولت البوح به فاضت العين قبل أن ينطق اللسان؟

من أين آتي بحروفٍ تليق بالحديث عن الحبيب المصطفى ﷺ؟
وكيف أجد كلماتٍ تصف دمعي حين يُذكر اسمه، أو تعبّر عن قلبٍ يرتجف شوقًا كلما سمع الصلاة والسلام عليه؟

يا حبيبي يا رسول الله…

لقد زرت مدينتك من قبل، ومضت منذ زيارتي أعوام طويلة، لكنني ما غادرتها يومًا بقلبـي. عدتُ منها بجسدي، وبقي شيءٌ مني هناك، بين بيتك ومنبرك، وفي رحاب مسجدك، وأمام روضتك الشريفة.

وكلما طالت الأيام، ازداد الحنين، وكأن تلك الزيارة لم تُطفئ نار الشوق، بل أشعلتها في داخلي أكثر. فما زلت أذكر سكينة المكان، وهيبة الوقوف، ورجفة القلب حين اقتربت، والدمعة التي سبقت سلامي عليك.

وها أنا اليوم أشتاق إلى العودة…

أشتاق إلى أن أجلس مرةً أخرى بين بيتك ومنبرك، في روضةٍ من رياض الجنة، وأن أحمل إليك سلامي، وأبثّ عند روضتك ما أثقل صدري من الهموم.

أشتاق إلى أن أقف هناك من جديد، فتسقط عن روحي أوجاع السنين، وتهدأ في داخلي ضوضاء الحياة، وأبكي كما لم أبكِ من قبل؛ لا حزنًا ولا ألمًا، ولكن شوقًا وحبًّا وفرحًا بأن الله قد أكرمني بالعودة إليك.

وكلما ذهب أحد الأحباب إلى مدينتك وسألني: ماذا تتمنى من الدعاء؟
أفاجأ بقلبي ينسى هموم الدنيا كلها، وينسى ما أثقلني من أوجاعها، فلا أجد أمنيةً أصدق من أن أقول له:

أبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل له: هناك عاشقٌ طال به الفراق، يتمنى أن يرزقه الله العودة إلى مدينتك، والصلاة في مسجدك، والوقوف باكيًا أمام روضتك.

نظرة أخرى إلى هناك يا حبيبي يا رسول الله…
نظرة تعيد إلى قلبي سكينته، وتنتشل روحي من هموم الدنيا، وتُشرّفني بزيارتك مرةً أخرى، وتفتح لي أبواب الرجاء في الله.

نظرة أتوسل بعدها إلى المولى عز وجل أن يهديني، ويصلح شأني، ويشرح صدري، ويغفر خطاياي، ويرزقني حُسن الاقتداء بك والثبات على سُنّتك، وأن يجمعني بك يومًا عند حوضك، فلا أضل بعد ذلك ولا أشقى.

أنا العاشق المشتاق، وإن عاد جسدي يومًا من مدينتك… فإن قلبي لم يعد.

يا رب، لا تجعل زيارتي الأولى هي الأخيرة، ولا تجعل هذا الشوق يسكنني دون لقاء. ارزقني عودةً قريبة إلى مدينة حبيبك، ووقفةً أخرى أمام روضته، أجيء إليها محمّلًا بذنبي وهمّي وانكساري، ثم أعود منها وقد ملأت قلبي سكينةً، وصدري نورًا، وروحي يقينًا بأن رحمتك أوسع من كل خطاياي.

يا حبيبي يا رسول الله، أنا أشتاق…

أشتاق إلى مدينةٍ زرتها يومًا، فما استطاعت روحي أن تغادرها.
أشتاق إلى مسجدٍ صليت فيه، وما زال قلبي معلّقًا بأركانه.
أشتاق إلى سلامٍ قلته من قبل، لكن الشوق إليه لا يزال كأنني لم أقله أبدًا.
وأشتاق إلى دمعةٍ أخرى أدّخرها ليوم العودة.

أعرف أن كلماتي لم تعبّر عن كل هذا العشق الكامن في داخلي، وأن ما في القلب أكبر من أن تحمله السطور، لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

أن شوقي إليك لا ينتهي، وأن الصلاة عليك راحة، وحبك نجاة، والاقتداء بك طريقٌ إلى الله.

وإن سألوني يومًا: أين تركت قلبك؟
سأقول: تركته منذ أعوام في مدينة الحبيب، وعدتُ منها وحدي… أما هو، فما زال هناك ينتظر يوم العودة.

قلبي هناك… وسيظل هناك، حتى يأذن الله بلقاءٍ جديد.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تفتح لنا بها أبواب الرحمة، وتكرمنا بها بالعودة إلى رحابه، وترزقنا بها شفاعته، وتجمعنا به في جنتك يا أرحم الراحمين.